أخبار: الهند تفتح منافسة ضخمة لشراء 60 طائرة نقل عسكري

فتحت الهند رسميًا باب المنافسة أمام الشركات العالمية لتوريد 60 طائرة نقل عسكري متعددة المهام إلى القوات الجوية الهندية، ضمن برنامج تقدر قيمته بنحو 1 تريليون روبية، أي ما يقارب 10.4 مليار دولار، في واحدة من أكبر صفقات النقل الجوي العسكري التي تخطط نيودلهي لتنفيذها خلال السنوات المقبلة. ويستهدف البرنامج استبدال جزء من أسطول طائرات Antonov An-32 المتقادمة، وسد الفجوة بين طائرات النقل الخفيفة والطائرات الاستراتيجية الثقيلة، مع بناء قدرة صناعية محلية لإنتاج وصيانة الطائرات الجديدة داخل الهند.

وأصدرت وزارة الدفاع الهندية طلب تقديم العروض RFP في 12 أغسطس 2026، لتنتقل بذلك عملية شراء Medium Transport Aircraft (MTA) من مرحلة الدراسات والمناقشات إلى المنافسة الرسمية بين الشركات المصنعة. ويحدد البرنامج فئة الطائرات المطلوبة ضمن نطاق حمولة يتراوح بين 18 و30 طنًا، مع اشتراطات تتعلق بالقدرة على العمل من المدارج القصيرة وغير المجهزة، فضلًا عن التشغيل في المطارات والمهابط المرتفعة الواقعة بالقرب من الحدود الشمالية والشرقية للهند، بما في ذلك المناطق الجبلية في Ladakh وشمال شرق البلاد.

وتعكس هذه المتطلبات طبيعة الجغرافيا العسكرية الهندية، إذ تحتاج القوات الجوية إلى طائرات تستطيع نقل القوات والمعدات والإمدادات بسرعة إلى المناطق الحدودية النائية، حيث تمثل الطرق البرية والسكك الحديدية خيارات أبطأ وأكثر تعرضًا للقيود الجغرافية. ومن ثم، فإن الطائرة الجديدة لن تكون مجرد بديل مباشر لـAn-32، وإنما ستصبح جزءًا من شبكة النقل الجوي التكتيكي التي يمكن استخدامها لتعزيز القوات المنتشرة على الحدود، ونقل الإمدادات، وتنفيذ عمليات الإخلاء الطبي والإنساني، وإسقاط الحمولات والمعدات جوًا.

وتدخل ثلاث طائرات رئيسية المنافسة، هي C-130J Super Hercules من Lockheed Martin، وC-390 Millennium من Embraer، وA400M Atlas من Airbus. وتختلف هذه الطائرات بصورة واضحة في الحجم والأداء والحمولة، وهو ما يجعل المنافسة الهندية ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى الشركات الثلاث، خصوصًا أن الصفقة لا تتعلق بتوريد طائرات جاهزة فقط، وإنما ترتبط أيضًا بإنشاء قدرات إنتاج وصيانة محلية طويلة الأجل.

وتقدم C-130J Super Hercules حمولة تبلغ نحو 19 طنًا، ما يضعها بالقرب من الحد الأدنى للفئة التي حددتها الهند. وتمتلك الطائرة ميزة إضافية تتمثل في أن القوات الجوية الهندية تشغلها بالفعل، ما يعني أن نيودلهي لديها خبرة تشغيلية سابقة مع المنصة، إلى جانب بنية تحتية وخبرات بشرية مرتبطة بها، وهو عامل يمكن أن يؤثر في تقييم تكاليف الانتقال إلى أسطول أكبر من الطائرات من النوع نفسه.

أما C-390 Millennium فتقع بالقرب من الحد الأعلى للفئة المطلوبة، إذ تستطيع حمل نحو 26 طنًا، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على نقل القوات والمعدات مقارنة بـC-130J، مع احتفاظها بقدرات تشغيلية تسمح باستخدامها في مهام النقل التكتيكي والاستراتيجي المتوسط. وتعمل Embraer بالفعل على بناء شراكة صناعية داخل الهند مع Mahindra Defence Systems بهدف تقديم الطائرة ضمن البرنامج الهندي.

وتدخل A400M Atlas المنافسة رغم أن حمولة الطائرة القصوى تبلغ نحو 37 طنًا، أي أعلى من الحد الأعلى البالغ 30 طنًا الذي حددته الهند للفئة المطلوبة. ولذلك فإن وجودها في المنافسة يضيف خيارًا أكبر حجمًا وقدرة، لكنه قد يضعها في وضع مختلف عن الطائرات التي تتطابق بصورة مباشرة مع متطلبات الحمولة المحددة. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن استمرار A400M في المنافسة مؤكد، بينما تظل التكلفة التشغيلية والاستحواذية الأعلى مقارنة ببعض الخيارات الأخرى أحد العوامل التي قد تؤثر في موقفها النهائي.

ولا تقتصر المنافسة الهندية على مواصفات الطائرات نفسها، إذ وضعت نيودلهي التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا في قلب البرنامج. ووفق الخطة الحالية، سيتم تسليم 12 طائرة في حالة جاهزية تشغيلية من الشركة المصنعة، بينما سيتم تصنيع وتجميع 48 طائرة المتبقية داخل الهند. كما تشترط الخطة زيادة المحتوى المحلي تدريجيًا خلال البرنامج، مع استهداف مستويات تتجاوز 50% في مراحل لاحقة، إلى جانب إنشاء قدرات هندية في مجالات الصيانة والإصلاح والعَمرة.

وفي صيغة أخرى للمتطلبات المنشورة، يبدأ المحتوى المحلي للطائرات المنتجة داخل الهند عند نحو 40% ثم يرتفع تدريجيًا إلى 60% مع تقدم البرنامج، ما يعكس رغبة واضحة في تحويل الصفقة من عملية شراء عسكرية إلى مشروع صناعي طويل الأمد. ويشترط البرنامج على الشركات الفائزة إنشاء خط تجميع نهائي داخل الهند إلى جانب منشآت للصيانة والإصلاح والعَمرة MRO، بما يضمن وجود قاعدة صناعية مستدامة قادرة على دعم الأسطول طوال فترة خدمته.

وهذه النقطة تجعل الصفقة أكثر تعقيدًا من منافسة تقليدية لاختيار أفضل طائرة. فالشركة التي ستفوز لن تحتاج فقط إلى تقديم طائرة تستوفي المتطلبات العملياتية، وإنما سيكون عليها بناء منظومة صناعية داخل الهند تشمل التجميع، وسلاسل التوريد، والصيانة، والتدريب، وربما تصنيع أجزاء ومكونات للطائرة.

وتمنح هذه السياسة الشركات الهندية دورًا محوريًا في المنافسة. فقد دخلت Tata Advanced Systems في شراكة مع Lockheed Martin لتقديم C-130J، بينما تتعاون Mahindra Defence مع Embraer لتقديم C-390 Millennium. كما تشمل الشركات الهندية المدعوة للمشاركة Adani Defence وReliance Defence وHindustan Aeronautics Limited (HAL)، بما يعكس رغبة الحكومة في توزيع الاستفادة الصناعية من البرنامج على قاعدة أوسع من الشركات المحلية.

وبالنسبة إلى Lockheed Martin، فإن وجود C-130J في الخدمة الهندية يمنح الشركة أفضلية مرتبطة بالخبرة السابقة، إذ تشغل القوات الجوية الهندية بالفعل هذا النوع من الطائرات، وتوجد علاقات صناعية قائمة مع Tata Advanced Systems. وهذا يعني أن إدخال عدد إضافي من الطائرات لن يبدأ من نقطة الصفر، بل يمكن البناء على خبرات التشغيل والصيانة والبنية التحتية الموجودة بالفعل.

في المقابل، تقدم C-390 Millennium نفسها باعتبارها منصة أحدث وأكبر من C-130J ضمن الفئة المتوسطة، مع قدرة حمولة أعلى، بينما يمثل البرنامج الهندي بالنسبة إلى Embraer فرصة لتوسيع حضور الطائرة خارج سوقها الحالي، وإنشاء قاعدة إنتاج جديدة يمكن أن تكون لها أهمية تتجاوز احتياجات القوات الجوية الهندية نفسها. وتشير التقديرات الصناعية إلى أن مصنع Embraer في البرازيل يمكن أن يصل إلى إنتاج نحو 10 طائرات سنويًا بحلول 2030، مع إمكانية زيادة الطاقة الإنتاجية إذا أدت فرص جديدة في الهند أو الولايات المتحدة إلى إنشاء خطوط تجميع إضافية.

وتحمل الصفقة كذلك أهمية كبيرة بالنسبة إلى مستقبل صناعة الطيران العسكري الهندية. فالهند لا تريد أن تظل مجرد مستخدم للطائرات الأجنبية، وإنما تسعى إلى استغلال برامج الشراء الكبيرة لبناء خبرة محلية في تصنيع الهياكل والأسلاك والإلكترونيات ودمج الأنظمة والصيانة الثقيلة.

ويأتي ذلك ضمن سياسة Make in India التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في مشتريات القوات المسلحة الهندية. والهدف لا يقتصر على زيادة نسبة المكونات المحلية، بل إنشاء قدرة صناعية تمكن الهند من إنتاج المعدات وصيانتها وتحديثها محليًا، وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية خلال دورة حياة المنظومة.

ومن الناحية العسكرية، يمثل استبدال An-32 أولوية متزايدة للقوات الجوية الهندية. فقد لعبت هذه الطائرة دورًا مهمًا لعقود في عمليات النقل التكتيكي، لكنها تنتمي إلى جيل أقدم من طائرات النقل، ومع تقدم عمر الأسطول ترتفع أهمية الانتقال إلى منصات أكثر حداثة من حيث إلكترونيات الطيران والكفاءة التشغيلية والاعتمادية وقدرات نقل الحمولة.

وتحتاج الهند في الوقت نفسه إلى الحفاظ على قدرة نقل جوي تستطيع الوصول إلى المناطق الحدودية المرتفعة، وهو ما يفسر التركيز على أداء الطائرة من المدارج القصيرة وغير المجهزة. فالقيمة العملياتية للطائرة لا تقاس فقط بقدرتها على حمل عدد كبير من الأطنان، وإنما بقدرتها على إيصال تلك الحمولة إلى أقرب نقطة ممكنة من القوات المنتشرة.

وتزداد أهمية هذه القدرة في المناطق الجبلية، حيث يمكن أن تكون البنية التحتية للمطارات محدودة، بينما تمثل عمليات الإمداد الجوي عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على القوات المنتشرة في مناطق نائية.

كما يمكن استخدام الطائرات الجديدة في عمليات إسقاط المعدات والإمدادات، ونقل القوات، والإخلاء الطبي، والاستجابة للكوارث الطبيعية، والعمليات الإنسانية، ما يجعل الاستثمار في هذه المنظومة ذا قيمة تتجاوز الاستخدام العسكري المباشر. وتتيح هذه المهام للقوات الجوية الحفاظ على أسطول نقل متعدد الاستخدامات يمكن إعادة توظيفه بسرعة وفق طبيعة الأزمة.

ومع اشتراط تصنيع وتجميع غالبية الطائرات داخل الهند، وإنشاء خطوط إنتاج ومنشآت العمرة MRO ورفع المحتوى المحلي تدريجيًا، فإن القرار النهائي سيحدد ليس فقط نوع الطائرة التي ستشغلها القوات الجوية الهندية خلال العقود المقبلة، وإنما أيضًا الشركة العالمية التي ستصبح شريكًا رئيسيًا للهند في بناء قطاع النقل الجوي العسكري المحلي. ومن ثم، فإن المنافسة بين C-130J Super Hercules وC-390 Millennium وA400M Atlas تمثل واحدة من أهم المنافسات المرتقبة في سوق الطيران العسكري الآسيوي، خصوصًا أن الفائز سيحصل على موطئ قدم صناعي داخل الهند إلى جانب صفقة عسكرية ضخمة تمتد آثارها إلى ما بعد تسليم الطائرات الستين.