افتتح رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" والرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" أول خط تجميع نهائي للهليكوبتر في القطاع الخاص الهندي. هذا الصرح الصناعي، الذي أقيم في منطقة "فيمغال" بولاية كارناتاكا، هو ثمرة شراكة استراتيجية عميقة بين مجموعة Tata Advanced Systems Limited (TASL) وعملاق الطيران الأوروبي Airbus Helicopters. ويأتي هذا التدشين ليعيد رسم خارطة الصناعات الدفاعية والمدنية في جنوب آسيا، معلناً عن ولادة مروحيات H125 ونسختها العسكرية المتقدمة H125M بهوية هندية خالصة.
يمثل المصنع الجديد استثماراً ضخماً تتجاوز قيمته 1000 كرور روبية (حوالي 120 مليون دولار)، وهو مصمم ليكون مركزاً متكاملاً لا يقتصر على التجميع فحسب، بل يمتد ليشمل تصنيع الهياكل الأساسية، ودمج الأنظمة الميكانيكية والكهربائية المعقدة، وصولاً إلى إجراء اختبارات الطيران النهائية. وتهدف الخطة الإنتاجية إلى الوصول لطاقة تبلغ 10 مروحيات سنوياً بحلول عام 2029، مع توقع تسليم أول مروحية "صنعت في الهند" في أوائل عام 2027.
تعد مروحية H125، العضو الأبرز في عائلة Ecureuil من Airbus، المروحية الأكثر مبيعاً في العالم بمحرك واحد، حيث سجلت أكثر من 40 مليون ساعة طيران عالمياً. وتكتسب هذه المروحية شهرة أسطورية لكونها الطراز الوحيد الذي نجح في الهبوط على قمة جبل إيفريست، مما يجعلها الخيار الأمثل للتضاريس الهندية القاسية، خاصة في المرتفعات الشهيرة بظروف "High and Hot".
إلى جانب النسخة المدنية، يضع المصنع نصب عينيه إنتاج النسخة العسكرية H125M. هذا الطراز مصمم ليكون "مضاعف قوة" (Force Multiplier) للقوات المسلحة الهندية في النزاعات الحدودية المرتفعة. وتتميز H125M بقدرات استثنائية في:
- الاستطلاع والعمليات التكتيكية: بفضل بصمتها الصوتية والحرارية المنخفضة.
- الدعم اللوجستي العالي: نقل الإمدادات الحيوية إلى المواقع الأمامية النائية في جبال الهيمالايا.
- الإخلاء الطبي والبحث والإنقاذ: في ظروف جوية تعجز فيها معظم المروحيات الخفيفة عن العمل.
إن إنشاء خط إنتاج H125 في الهند ليس مجرد مشروع تجاري، بل هو خطوة جيوسياسية ذات أبعاد عميقة:
أولاً: الاستقلال التكنولوجي وكسر الاحتكار
لعقود، اعتمدت الهند على المروحيات الروسية أو الغربية المستوردة بالكامل. اليوم، ومن خلال TASL، تكسر نيودلهي احتكار الشركات الحكومية (مثل HAL) وتفتح الباب أمام القطاع الخاص لقيادة قاطرة التصنيع الدفاعي. هذا التحول يمنح الهند "سيادة عمودية" تسمح لها بتطوير منصاتها الخاصة بناءً على خبرات Airbus، مما يقلل الارتهان لسلاسل التوريد الخارجية في أوقات الأزمات.
ثانياً: معادلة الردع في المرتفعات
تعتبر جبال الهيمالايا مسرحاً حيوياً للمواجهات الحدودية مع الصين وباكستان. توفير مروحيات H125M مصنعة محلياً وبأعداد كبيرة يعني تفوقاً لوجستياً حاسماً. القدرة على تحريك القوات والمعدات في أعلى نقاط العالم بكفاءة وموثوقية تعيد صياغة معادلة الردع، حيث تصبح سرعة الاستجابة الميدانية هي الفيصل في النزاعات الحدودية.
ثالثاً: تحالف "باريس-دلهي" كقطب عالمي
تثبت هذه الصفقة أن فرنسا أصبحت الشريك الدفاعي الأكثر ثقة للهند. هذا التحالف يتجاوز صفقات Rafale و Scorpene، ليدخل في صلب النسيج الصناعي الهندي. استراتيجياً، يساهم هذا التعاون في خلق قطب تكنولوجي موازٍ للتحالفات التقليدية، مما يمنح الطرفين نفوذاً أكبر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
لم تعد الهند مجرد "أكبر مستورد للسلاح"، بل تتحول بسرعة إلى "مصدر" موثوق. المروحيات التي ستنتجها Tata بالتعاون مع Airbus ستكون متاحة للتصدير إلى دول جنوب آسيا وأفريقيا، مما سيخلق منافسة شرسة للمروحيات الصينية والروسية في تلك الأسواق، نظراً لجمعها بين التكنولوجيا الأوروبية المتقدمة وتكلفة التصنيع الهندية التنافسية.
نجاح هذا النموذج (تصنيع خاص بشراكة دولية) سيجبر شركات مثل Bell و Leonardo على إعادة النظر في استراتيجياتها. المنافسة العالمية ستنتقل من "بيع المنتجات" إلى "توطين الصناعة"، حيث ستطالب الدول المشترية بنماذج مماثلة لما حصلت عليه الهند، مما سيغير هيكلية عقود الدفاع العالمية للأبد.
بدمج شركات هندية مثل Mahindra Aerostructures لتصنيع أجزاء الفتيل (Fuselage)، تصبح الهند جزءاً لا يتجزأ من سلسلة القيمة العالمية لشركة Airbus. هذا يعني أن أي مروحية H125 تُباع في أي مكان في العالم مستقبلاً قد تحتوي على أجزاء "صنعت في الهند"، مما يعزز مرونة الشركة الأم ويقلل من مخاطر الإنتاج المركز في أوروبا.