أخبار: بريطانيا تلغي تطوير Meteor وتتجه إلى جيل جديد من صواريخ القتال الجوي ضمن برنامج FASE

قررت المملكة المتحدة إنهاء خطط تطوير النسخة المطورة من صاروخ Meteor جو-جو بعيد المدى، في تحول استراتيجي يعكس إعادة صياغة أولويات برامج التسليح البريطانية نحو الاستثمار في أنظمة الجيل المقبل بدلاً من تحديث المنظومات الحالية. ويأتي القرار ضمن سياسة أوسع تتبناها وزارة الدفاع البريطانية لتسريع تطوير القدرات المستقبلية القادرة على مواجهة التهديدات الجوية المتوقع ظهورها خلال العقود المقبلة، بالتزامن مع تقدم برامج الطيران القتالي من الجيل السادس وتزايد الاعتماد على المنصات غير المأهولة والأنظمة الشبكية.

وأكد وزير الدولة البريطاني للاستعداد الدفاعي والصناعة Luke Pollard أن الحكومة لن تمضي قدماً في تنفيذ برنامج التحديث النصفي لصاروخ Meteor، موضحاً أن التمويل سيُعاد توجيهه إلى برنامج Future Air Superiority Effectors (FASE)، الذي يهدف إلى تطوير جيل جديد بالكامل من صواريخ القتال الجوي. وأشار إلى أن الاستراتيجية الجديدة تقوم على الاستثمار في القدرات المستقبلية بوتيرة أسرع، بدلاً من إنفاق الموارد على تحديث منظومات قد تصبح محدودة الفاعلية أمام طبيعة التهديدات القادمة.

ويأتي هذا القرار رغم أن الأعمال الأولية الخاصة ببرنامج التحديث النصفي لصاروخ Meteor كانت قد اكتملت خلال عام 2025، وهو ما يعني أن بريطانيا فضلت التخلي عن المشروع قبل انتقاله إلى مراحل التطوير الرئيسية، في خطوة تعكس تغيراً في فلسفة التخطيط الدفاعي أكثر من كونها استجابة لمشكلة تقنية في الصاروخ نفسه. فالصاروخ لا يزال يعد أحد أكثر صواريخ الاشتباك خلف مدى الرؤية تطوراً في العالم، ويحتفظ بمكانة محورية داخل القوات الجوية الأوروبية.

ويُعد Meteor، الذي تطوره شركة MBDA بالتعاون مع Airbus وBAE Systems وLeonardo، أحد أهم برامج التسليح الأوروبية المشتركة. ويتميز بمحرك Ramjet يعمل بالوقود الصلب مع إمكانية التحكم في الدفع أثناء الطيران، وهو ما يمنحه قدرة على الحفاظ على الطاقة حتى المرحلة النهائية من الاشتباك، ويوفر ما يوصف بأنه من أكبر "مناطق عدم الإفلات" ضد الطائرات المعادية مقارنة بالصواريخ التقليدية العاملة بمحركات صاروخية. وقد دخل الصاروخ الخدمة في سلاح الجو الملكي البريطاني على متن مقاتلات Eurofighter Typhoon عام 2018، كما يجري العمل على دمجه مع مقاتلات F-35B ضمن تحديث Block 4.

ويركز برنامج FASE على تطوير عائلة جديدة من وسائل الاشتباك الجوي القادرة على العمل من المقاتلات المأهولة والطائرات غير المأهولة على حد سواء، مع توفير قدرات أكبر في المدى والاستقلالية ومقاومة الحرب الإلكترونية والاشتباك مع أهداف متعددة ومتطورة. ولا يزال البرنامج في مراحله المفاهيمية الأولى، حيث تعمل وزارة الدفاع البريطانية على تحديد المتطلبات العملياتية والتكنولوجية قبل الانتقال إلى مرحلة التصميم والتطوير الفعلي.

ويتزامن هذا التحول مع إعلان بريطانيا وفرنسا، خلال الأشهر الماضية، إطلاق دراسة مشتركة تستمر لمدة اثني عشر شهراً لاستكشاف تصميم صاروخ جديد يخلف Meteor مستقبلاً. وتهدف الدراسة إلى تقييم التهديدات الجوية المستقبلية، ودراسة التقنيات الواعدة، ووضع خارطة طريق لتطوير منظومة جديدة تستطيع التعامل مع بيئة قتال ستشهد انتشار مقاتلات الجيل السادس والطائرات غير المأهولة المرافقة، إلى جانب الصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الحرب الإلكترونية الأكثر تطوراً.

وتعكس هذه الخطوة إدراكاً بريطانياً بأن طبيعة القتال الجوي تشهد تغيراً جذرياً. فالمواجهة المستقبلية لن تعتمد فقط على أداء المقاتلة، بل ستقوم على تكامل المنصة مع شبكة واسعة من المستشعرات والأسلحة والطائرات غير المأهولة، وهو ما يتطلب تطوير صاروخ جديد منذ البداية ليستوعب هذه المفاهيم، بدلاً من محاولة تعديل تصميم وُضع قبل أكثر من عقدين.

لا يعني إلغاء برنامج التحديث أن صاروخ Meteor سيغادر الخدمة قريباً، إذ سيظل يمثل السلاح الرئيسي للاشتباك خلف مدى الرؤية لدى القوات الجوية البريطانية، كما سيواصل الخدمة لدى مستخدمين آخرين مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والسويد، بالإضافة إلى استكمال خطط دمجه على منصات جديدة مثل F-35B. غير أن القرار البريطاني يشير إلى أن لندن ترى أن الاستثمار في خليفة للصاروخ سيحقق عائداً عملياتياً أكبر على المدى الطويل مقارنة بتمديد عمر التصميم الحالي.

كما يأتي القرار في ظل ظهور تهديدات جديدة، أبرزها الصواريخ الجوية فائقة المدى التي تطورها بعض القوى الكبرى، مثل الصاروخ الصيني PL-17، إضافة إلى التطور السريع في وسائل التشويش الإلكتروني، والطائرات الشبحية، والطائرات غير المأهولة القتالية. وتفرض هذه المتغيرات متطلبات جديدة تتعلق بزيادة مدى الاشتباك، وتحسين قدرات الباحث الراداري، وتعزيز مقاومة الحرب الإلكترونية، ورفع مستوى الاتصال الشبكي بين الصاروخ والمنصات المختلفة أثناء تنفيذ المهمة.

يكشف القرار عن تغير في طريقة إدارة برامج التسليح البريطانية، حيث أصبح التركيز ينصب على تجاوز عمليات التحديث التدريجي والانتقال مباشرة إلى تطوير جيل جديد من الأنظمة. ويتوافق هذا التوجه مع برامج كبرى مثل Global Combat Air Programme (GCAP)، التي تستهدف إدخال مقاتلة من الجيل السادس إلى الخدمة خلال العقد المقبل، وهو ما يتطلب أيضاً تطوير ذخائر تتناسب مع قدراتها المستقبلية، بدلاً من الاعتماد على صواريخ صُممت وفق متطلبات جيل سابق من الطائرات.

كما يعزز هذا التوجه التعاون الصناعي بين بريطانيا وفرنسا في قطاع الصواريخ، خاصة مع استمرار MBDA في لعب دور محوري داخل برامج التسليح الأوروبية. ومن المتوقع أن يفتح برنامج FASE المجال أمام تطوير تقنيات جديدة في مجالات الدفع، والباحثات متعددة الأنماط، والذكاء الاصطناعي، والاتصال الشبكي، وهي المجالات التي ستحدد شكل صواريخ القتال الجوي خلال العقود المقبلة.

القرار يعكس اتجاهاً متنامياً نحو الاستثمار في الجيل القادم من الذخائر الذكية بدلاً من الاكتفاء بتحديث الأنظمة القائمة. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى زيادة المنافسة بين الشركات الغربية في مجال تطوير صواريخ جو-جو بعيدة المدى، خاصة مع احتدام سباق التسلح الجوي وظهور متطلبات تشغيلية جديدة مرتبطة بالمقاتلات غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والاشتباكات بعيدة المدى. كما يمنح MBDA فرصة لقيادة مرحلة جديدة من الابتكار الأوروبي في هذا القطاع، مستفيدة من الخبرة المتراكمة التي حققها برنامج Meteor.

إن قرار بريطانيا إلغاء برنامج التحديث النصفي لصاروخ Meteor لا يعكس تراجعاً في الثقة بقدرات الصاروخ، بل يمثل تحولاً استراتيجياً نحو الاستثمار في جيل جديد من أسلحة التفوق الجوي يتوافق مع متطلبات الحروب المستقبلية. كما يؤكد أن المنافسة في مجال الصواريخ الجوية لم تعد تقتصر على تحسين الأداء الحالي، بل أصبحت ترتبط بتطوير منظومات قادرة على العمل داخل بيئة قتالية شبكية تعتمد على التكامل بين المقاتلات المأهولة وغير المأهولة، وهو ما سيشكل أحد أبرز محاور سباق التسلح الجوي خلال السنوات القادمة.