أعلن حلف شمال الأطلسي (NATO) رسمياً في 25 أبريل 2026 عن اختيار منظومة الإنذار المبكر والتحكم المحمول جواً (AEW&C) من طراز GlobalEye، التي تنتجها شركة Saab السويدية، لتكون البديل المستقبلي لأسطوله المتقادم من طائرات E-3 Sentry AWACS أمريكية الصنع. يمثل هذا القرار تحولاً جذرياً في عقيدة المشتريات الدفاعية للحلف، حيث تخلى الناتو للمرة الأولى عن التبعية التقليدية لشركة Boeing الأمريكية في هذا المجال الحساس، متجهاً نحو حل أوروبي متطور يواكب تحديات الحروب الرقمية في القرن الحادي والعشرين.
ستقوم منظومة GlobalEye باستبدال 14 طائرة من طراز E-3A التي خدمت كـ "عيون الحلف في السماء" لعقود طويلة. وتأتي هذه الصفقة التاريخية، التي تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات، لتعكس نفوذ السويد المتزايد داخل الحلف بعد انضمامها الأخير، وتؤكد أن السيادة التكنولوجية الأوروبية باتت قادرة على منافسة بل وتجاوز العروض الأمريكية في أكثر المجالات تعقيداً.
تعتبر طائرة GlobalEye التي تطورها شركة Saab منصة متعددة المهام وفريدة من نوعها عالمياً، حيث لا تكتفي بمهام الرصد الجوي التقليدية، بل تدمج بين المراقبة الجوية والبحرية والبرية في آن واحد. وتعتمد المنظومة على هيكل طائرة الأعمال النفاثة Global 6000/6500 من شركة Bombardier، مما يمنحها بصمة رادارية منخفضة وكفاءة تشغيلية عالية.
- الرادار الثوري Erieye ER: القلب النابض للمنظومة هو رادار المسح الإلكتروني النشط (AESA) من طراز Erieye ER الذي يعمل بنطاق S-band. يتميز هذا الرادار باستخدام تقنية "نيتريك الغاليوم" (GaN)، مما يمنحه مدى رصد هائل يتجاوز 550 كيلومتراً، وقدرة استثنائية على كشف الأهداف الشبحية الصغيرة جداً مثل الدرونات الانتحارية والصواريخ الجوالة التي تطير على ارتفاعات منخفضة.
- الدمج الاستخباري الشامل: بخلاف طائرات AWACS التقليدية، تمتلك GlobalEye مستشعرات بحرية ورادارات للرصد الأرضي، مما يسمح لها بتتبع السفن على بعد مئات الأميال ورسم خرائط دقيقة للتحركات البرية، مع دمج كل هذه البيانات في صورة موحدة يتم مشاركتها لحظياً مع المقاتلات والوحدات الأرضية عبر وصلات بيانات (Data Links) مشفرة ومؤمنة بالكامل.
- الاستدامة والكفاءة: تتميز المنظومة بقدرتها على البقاء في الجو لمدة تصل إلى 11 ساعة متواصلة، مع تكاليف تشغيل وصيانة تقل بنسبة تزيد عن 50% مقارنة بطائرات Boeing E-7 Wedgetail أو E-3 القديمة، وهو ما شكل عاملاً حاسماً في اختيار الناتو.
من المقرر أن يبدأ تسليم أولى طائرات GlobalEye لأسطول الناتو في عام 2028، مع خطة إحلال تدريجية تضمن خروج آخر طائرة E-3 من الخدمة بحلول منتصف الثلاثينيات. وستشهد الصفقة تعاوناً واسعاً بين شركة Saab ومجموعة من الشركات الأوروبية لتطوير برمجيات القيادة والسيطرة الخاصة بالحلف، مما يعزز القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية (EDIB).
هذه الصفقة هي أكبر تجسيد عملي لمفهوم "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي". باختيار الناتو لشركة Saab، فإنه يرسل رسالة واضحة مفادها أن أوروبا لم تعد مستهلكاً للتكنولوجيا الأمريكية فحسب، بل أصبحت مصدراً للحلول الأكثر تقدماً. هذا القرار يضعف احتكار الولايات المتحدة لسوق طائرات الإنذار المبكر، ويفتح الباب أمام الدول الأوروبية الأخرى لزيادة استثماراتها في الأنظمة القارية.
تعد خسارة عقد الناتو لصالح السويد انتكاسة كبرى لشركة Boeing، التي كانت تراهن على طائرتها E-7 Wedgetail كخلف طبيعي للـ E-3. هذا التحول قد يؤدي إلى إعادة تقييم العديد من الدول الحليفة لخياراتها المستقبلية، مما قد يؤدي إلى تراجع حصة واشنطن في سوق الأنظمة الجوية الاستراتيجية لصالح التقنيات الأكثر مرونة وأقل كلفة التي تقدمها دول مثل السويد وفرنسا.
من الناحية العسكرية، فإن انتقال الناتو إلى GlobalEye يعني امتلاك "شبكة عصبية" فائقة الذكاء. قدرة هذه الطائرة على رصد الدرونات الصغيرة والصواريخ فرط الصوتية تعزز من قدرة الحلف على الردع في الجناح الشرقي والشمالي للقارة. إنها أداة مثالية لمواجهة تكتيكات "الحرب في المنطقة الرمادية"، حيث تتداخل التهديدات الجوية والبحرية والسيبرانية.
إن اختيار الناتو لمنظومة Saab GlobalEye هو إعلان رسمي عن بدء "العصر الذهبي" للتكنولوجيا الدفاعية السويدية والأوروبية. بهذه الخطوة، لا يقوم الحلف فقط بتحديث عيونه في السماء، بل يعيد رسم ملامح التحالفات الصناعية العالمية. ما سيجعل من GlobalEye الخيار الأول للدول في الشرق الأوسط وآسيا التي تسعى لامتلاك قدرات رصد فائقة دون القيود السياسية التي قد تفرضها واشنطن.