كشفت تقارير عسكرية روسية وغربية عن تسارع كبير في وتيرة إنتاج الطائرات القتالية الروسية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، في مؤشر واضح على أن موسكو نجحت، ولو جزئياً، في إعادة هيكلة قطاع الصناعات الجوية العسكرية لمواجهة الاستنزاف الميداني والعقوبات الغربية المتصاعدة.
وبحسب تقرير نشرته مجلة Military Watch ونقلته وسائل إعلام روسية، فإن إنتاج المقاتلات والقاذفات الروسية شهد قفزة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، حيث تضاعف إنتاج المقاتلة القاذفة Su-34 مقارنة بفترة ما قبل الحرب الأوكرانية، بينما ارتفع إنتاج المقاتلة الشبحية Su-57 بأكثر من عشرة أضعاف وفق التقديرات المتداولة.
ويأتي ذلك بعد تصريحات أدلى بها رئيس شركة Rostec الروسية العملاقة سيرغي تشيميزوف للرئيس فلاديمير بوتين في السابع من مايو 2026، أكد خلالها أن روسيا تمكنت من مضاعفة إنتاج الطائرات المقاتلة منذ عام 2022، في إطار التعبئة الصناعية الواسعة التي أطلقتها موسكو عقب اندلاع الحرب.
ويمثل هذا التطور مؤشراً بالغ الأهمية على قدرة المجمع الصناعي العسكري الروسي على التكيف مع ظروف الحرب الطويلة، رغم القيود الغربية المشددة على التكنولوجيا والإلكترونيات الدقيقة وسلاسل التوريد الخاصة بصناعة الطيران العسكري.
وتُعد مقاتلة Su-34 من أبرز الطائرات التي اعتمدت عليها القوات الجوية الروسية بشكل مكثف خلال العمليات العسكرية في أوكرانيا، خصوصاً في تنفيذ الضربات بعيدة المدى باستخدام القنابل الانزلاقية الموجهة، والتي أصبحت أحد أهم أدوات موسكو في استنزاف الدفاعات الأوكرانية وخطوط الإمداد الخلفية.
وخلال العامين الماضيين، كثفت روسيا استخدام القنابل الموجهة FAB المزودة بأجنحة انزلاقية وأنظمة توجيه، ما منح Su-34 دوراً محورياً في العمليات الجوية الروسية، ودفع موسكو إلى زيادة خطوط الإنتاج لتعويض الخسائر الميدانية وتعزيز المخزون العملياتي.
أما Su-57، التي تمثل الجيل الخامس من المقاتلات الروسية، فتُعتبر المشروع الأكثر حساسية ضمن برامج تحديث القوة الجوية الروسية، إذ تسعى موسكو إلى تقديمها باعتبارها المنافس الروسي المباشر للمقاتلات الغربية الشبحية مثل F-35 وF-22 الأمريكية.
ورغم أن البرنامج واجه لسنوات طويلة تحديات مرتبطة بالإنتاج المحدود والتكاليف والعقوبات، تشير المعطيات الأخيرة إلى أن روسيا بدأت بالفعل في رفع وتيرة التصنيع بوتيرة أسرع من السابق، مدفوعة بالحاجة العملياتية وبالرهانات التصديرية المستقبلية.
وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد مقاتلات Su-57 العاملة داخل القوات الجوية الروسية اقترب من ثلاثين طائرة بحلول مطلع 2026، مع استمرار تسليم دفعات جديدة للقوات الجوية الروسية بشكل دوري.
ويعتقد محللون أن موسكو تسعى إلى تحويل Su-57 من مشروع محدود الإنتاج إلى منصة قتالية رئيسية خلال السنوات المقبلة، سواء لخدمة القوات الروسية أو لدعم صادرات السلاح الروسية إلى الأسواق الدولية، خصوصاً بعد الاهتمام الذي أبدته دول مثل الجزائر وربما الهند وبعض الدول الآسيوية بالمقاتلة الشبحية الروسية.
ومن الناحية الصناعية، فإن رفع إنتاج الطائرات القتالية يمثل تحدياً بالغ التعقيد بالنسبة لروسيا، نظراً لاعتماد صناعة الطيران الحديثة على مكونات إلكترونية دقيقة ومحركات متطورة وأنظمة استشعار معقدة، وهي قطاعات تعرضت لضغوط كبيرة بسبب العقوبات الغربية وحظر التصدير التكنولوجي منذ عام 2022.
إلا أن موسكو عملت خلال السنوات الأخيرة على توسيع برامج “الإحلال المحلي” للمكونات الغربية، إلى جانب الاعتماد على شبكات توريد بديلة عبر دول ثالثة، ما سمح باستمرار خطوط الإنتاج بوتيرة أعلى مما توقعه كثير من المراقبين الغربيين.
ومع ذلك، فإن مجرد قدرة موسكو على الحفاظ على إنتاج مستمر لمقاتلات متقدمة مثل Su-34 وSu-35 وSu-57 في ظل ظروف الحرب والعقوبات يُعتبر بحد ذاته مؤشراً على مرونة المجمع الصناعي العسكري الروسي، وقدرته على إعادة توجيه الاقتصاد نحو أولويات الحرب طويلة الأمد.
ويرى خبراء أن زيادة إنتاج الطائرات القتالية الروسية لا ترتبط فقط بالحرب في أوكرانيا، بل تعكس أيضاً استعدادات روسية أوسع لمواجهة طويلة الأمد مع الغرب، خاصة في ظل تصاعد التوترات بين موسكو وحلف الناتو في أوروبا الشرقية والقطب الشمالي والبحر الأسود.
كما يحمل التوسع في إنتاج Su-57 بُعداً استراتيجياً مهماً، إذ تسعى روسيا إلى الحفاظ على مكانتها كواحدة من الدول القليلة القادرة على إنتاج مقاتلات الجيل الخامس محلياً، في مواجهة الهيمنة الأمريكية المتزايدة على سوق الطائرات الشبحية عالمياً.
وفي حال نجحت موسكو في رفع الإنتاج وتحسين الجاهزية التشغيلية للمقاتلة، فقد تتمكن من استعادة جزء من حصتها في سوق تصدير الطائرات القتالية، خصوصاً لدى الدول التي تواجه قيوداً سياسية أو مالية في الحصول على المقاتلات الغربية.
كذلك، فإن الحرب الأوكرانية نفسها تحولت إلى ساحة اختبار حقيقية للطائرات والأسلحة الروسية، وهو ما تستخدمه موسكو في حملاتها الترويجية العسكرية لتسويق منتجاتها الدفاعية في الأسواق الدولية.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب يفرض ضغوطاً هائلة على قطاع الطيران العسكري الروسي، سواء من حيث الحاجة المستمرة لتعويض الخسائر أو الحفاظ على الجاهزية العملياتية أو تمويل برامج التطوير المستقبلية.
ومن الناحية الجيوسياسية، تعكس زيادة إنتاج المقاتلات الروسية دخول العالم مرحلة جديدة من سباقات التسلح واسعة النطاق، حيث تدفع الحرب الأوكرانية القوى الكبرى إلى إعادة الاستثمار بكثافة في الصناعات العسكرية بعد سنوات من تقليص الإنفاق الدفاعي في بعض الدول.
كما أن التوسع الروسي في إنتاج الطائرات الحربية قد يدفع دول الناتو إلى تسريع برامجها الجوية المضادة، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي بعيد المدى والمقاتلات الشبحية والطائرات غير المأهولة.
وفي هذا السياق، تبدو موسكو حريصة على توجيه رسالة مزدوجة عبر هذه الأرقام؛ الأولى إلى الداخل الروسي لتأكيد قدرة الدولة على الصمود الصناعي والعسكري، والثانية إلى الغرب بأن العقوبات لم تنجح في شل قطاع الصناعات الدفاعية الروسية كما كان متوقعاً.