أخبار: مليون ساعة في السماء.. "Eurofighter Typhoon" تسطر فصلاً تاريخياً في سجلات السيادة الجوية العالمية

في لحظة فارقة تعكس قوة الشراكة الدفاعية الأوروبية وتفوقها التكنولوجي، أعلن الكونسورتيوم الصناعي المشرف على برنامج "Eurofighter" رسمياً عن تجاوز الأسطول العالمي لمقاتلات "Eurofighter Typhoon" حاجز المليون ساعة طيران تشغيلية. هذا الإنجاز التاريخي، الذي تم الإعلان عنه في 29 يناير 2026، لا يمثل مجرد رقم قياسي في سجلات الطيران، بل هو شهادة حية على النضج العملياتي والموثوقية العالية التي بلغت لقمّتها واحدة من أكثر المقاتلات متعددة المهام تطوراً في العصر الحديث.

لقد تراكمت هذه الساعات عبر عقود من الانتشار في الخطوط الأمامية، بدءاً من حماية الأجواء الأوروبية ضمن مهام "Quick Reaction Alert" (QRA)، وصولاً إلى العمليات القتالية المعقدة في الشرق الأوسط وإفريقيا. ومع كل ساعة طيران، أثبتت "Typhoon" قدرتها الفائقة على التكيف مع التهديدات المتغيرة، مدعومة بمحركاتها الجبارة من طراز "EJ200"، والتي سجلت هي الأخرى إنجازاً موازياً بتجاوزها حاجز المليونين ساعة تشغيل، نظراً لأن كل مقاتلة تعمل بمحركين من هذا الطراز المتطور.

تأتي هذه المحطة التاريخية في وقت حساس تشهد فيه القارة الأوروبية والعالم تحولات جيوسياسية عميقة، حيث تعود القوى الكبرى لتعزيز ترساناتها الجوية التقليدية والمتقدمة. إن برنامج "Eurofighter"، الذي يضم في قلبه دولاً محورية مثل المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، نجح في تحويل رؤية الثمانينيات إلى واقع ملموس يسيطر على الأجواء اليوم.

المقاتلة، التي تُعد العمود الفقري لسلاح الجو الملكي البريطاني "RAF" والقوات الجوية في الدول الشريكة، لم تكتفِ بتأمين الحدود، بل أصبحت أداة ديبلوماسية وعسكرية فعالة في يد الدول المشغلة لها. ومنذ دخولها الخدمة الفعلية في عام 2003، شاركت "Typhoon" في مهام دولية كبرى، من بينها عملية "Op Shader" في العراق وسوريا، ومهام "Baltic Air Policing" لتأمين دول البلطيق، مما عزز مكانتها كمنصة قتالية مجربة في الميدان "Combat Proven".

من الناحية الاستراتيجية، يبعث وصول "Eurofighter Typhoon" إلى هذا المستوى من الخبرة التشغيلية برسائل قوية إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء.

أولاً: الموثوقية في بيئة عدائية: في عالم تتزايد فيه تعقيدات الحرب الإلكترونية والدفاعات الجوية المتطورة، فإن بلوغ مليون ساعة طيران يعني أن النظام قد واجه واجتاز كافة سيناريوهات الفشل التقني والعملياتي الممكنة. هذا النضج يجعل من "Typhoon" خياراً "آمناً" استراتيجياً للدول التي لا تبحث فقط عن التكنولوجيا، بل عن "الاعتمادية" في وقت الأزمات.

ثانياً: الجسر التكنولوجي للأجيال القادمة: لا تُعتبر "Typhoon" اليوم مقاتلة من الماضي، بل هي المختبر الحي لتقنيات الجيل السادس. ومن خلال برنامج "Long Term Evolution" (LTE)، يتم دمج تقنيات متقدمة في قمرة القيادة "Cockpit" ونظم إدارة البيانات التي ستشكل نواة لمشاريع مستقبلية مثل "Global Combat Air Programme" (GCAP) المعروف بـ "Tempest". إن المليون ساعة هي القاعدة المعرفية والبيانية (Big Data) التي يُبنى عليها مستقبل التفوق الجوي الأوروبي.

ثالثاً: تعزيز التماسك الأطلسي والأوروبي: يبرز هذا الإنجاز نجاح التعاون العابر للحدود في الصناعات الدفاعية. في وقت يثار فيه الجدل حول استقلالية الدفاع الأوروبي، تظل "Eurofighter" المثال الأبرز على قدرة الشركات العملاقة مثل "BAE Systems" و"Airbus" و"Leonardo" على توحيد المعايير اللوجستية والتقنية، مما يسهل العمليات المشتركة تحت مظلة "NATO".

إن تجاوز حاجز المليون ساعة طيران ليس مجرد احتفال داخلي، بل هو محرك تسويقي ضخم في سوق السلاح العالمي الذي يتسم بالتنافسية الشديدة. مع وصول المقاتلة إلى هذا المستوى من النضج، تتزايد جاذبيتها للدول التي تبحث عن تحديث أساطيلها. وقد رأينا ذلك بوضوح في الصفقات الأخيرة مع دول مثل الكويت وقطر، والاهتمام المتزايد من تركيا التي تسعى لدمج "Typhoon" ضمن استراتيجيتها الجوية. الاستقرار الذي يوفره برنامج بهذا الحجم يقلل من "المخاطر الصناعية" للمشترين الجدد.

يفتح هذا الإنجاز الباب واسعاً أمام سوق ضخم لعمليات التحديث "Retrofitting". الشركات المشاركة في الكونسورتيوم تركز الآن على تطوير رادارات "AESA" المتقدمة، وتحديداً "ECRS Mk2"، لضمان بقاء المقاتلة فعالة حتى عام 2060. هذا يعني استمرار تدفق الاستثمارات في سلاسل التوريد لعدة عقود قادمة.

رغم صعود نجم "F-35 Lightning II"، إلا أن "Eurofighter Typhoon" لا تزال تحتفظ بمكانتها كخيار مفضل بفضل حمولتها الكبيرة من الأسلحة مثل صواريخ "Meteor" و"Brimstone"، وسرعتها الفائقة في الاعتراض "Supercruise". المليون ساعة طيران تثبت أن تكلفة تشغيل "Typhoon" وقدرتها على البقاء في الجو تفوق في كثير من الأحيان تعقيدات الصيانة المرتبطة بمقاتلات الشبح في المهام الروتينية والمكثفة.

إن وصول "Eurofighter Typhoon" إلى مليون ساعة طيران هو لحظة انتصار للصناعة الدفاعية الأوروبية. إنه يثبت أن الاستثمار طويل الأمد في التكنولوجيا الدفاعية يؤتي ثماره ليس فقط في الأمن القومي، بل في الاستقرار الاقتصادي أيضاً، حيث يدعم البرنامج أكثر من 100 ألف وظيفة في أوروبا.