حصلت شركة Boeing على عقد أمريكي ضخم تصل قيمته إلى 131.23 مليار دولار لتحديث ودعم أسطول مقاتلات F-15 لدى الولايات المتحدة وعدد من الدول الحليفة، في اتفاق يعكس الأهمية المستمرة لهذه المقاتلة داخل منظومات القوة الجوية الأمريكية والدولية، رغم مرور عقود على دخول عائلة F-15 الخدمة. ويجمع البرنامج بين إنتاج مقاتلات F-15EX الجديدة، وتحديث الطائرات الموجودة، ودمج الأنظمة القتالية والإلكترونية، وتوفير خدمات الإدامة والدعم طوال دورة حياة الأسطول، بما يمدد حضور F-15 في الخدمة حتى العقد المقبل وما بعده.
وأعلنت وزارة الحرب الأمريكية عن الاتفاق في 26 أغسطس 2026، فيما يمتد الإطار التعاقدي حتى أغسطس 2037، مع انتهاء نافذة الطلبات الأولية في عام 2031. ويمنح هذا الإطار الزمني الطويل Boeing مساحة للعمل على مجموعة واسعة من الأنشطة المرتبطة بأسطول F-15، بدلا من التعامل مع كل عملية إنتاج أو تحديث أو صيانة باعتبارها برنامجا منفصلا. وتكمن أهمية ذلك في أن عائلة F-15 أصبحت تشغل موقعا استراتيجيا داخل القوات الجوية الأمريكية وعدد من القوات الجوية الحليفة، ما يجعل استمرارية الدعم والتحديث عاملا أساسيا في الحفاظ على جاهزية هذه الطائرات.
ويحمل البرنامج اسم F-15 Eagle Crest، ويشمل إنتاج النسخة الأحدث F-15EX، إلى جانب دمج الأنظمة والتحديثات وإجراء عمليات إعادة تأهيل للطائرات القائمة وتوفير خدمات الإدامة والدعم الفني. وبذلك لا يتعلق العقد بإنتاج طائرات جديدة فقط، وإنما ببناء إطار متكامل لإدارة دورة حياة مقاتلات F-15، وهو توجه أصبح أكثر أهمية في ظل ارتفاع تكلفة تشغيل الطائرات القتالية الحديثة وطول الفترة التي تحتاج خلالها الدول إلى الحفاظ على منصاتها في الخدمة.
وتأتي F-15EX في مقدمة العناصر الجديدة في هذا البرنامج، باعتبارها أحدث تطور لعائلة F-15. وتراهن الولايات المتحدة على هذه النسخة لتعزيز القوة الجوية بقدرة قتالية ثقيلة تستطيع حمل كميات كبيرة من الأسلحة، والعمل إلى جانب مقاتلات أكثر تقدما مثل F-35. ومن ثم فإن استمرار الاستثمار في F-15 لا يمثل عودة إلى تصميم قديم، وإنما محاولة للاستفادة من هيكل أثبت قدرته على التطور لعقود، عبر إدخال أنظمة إلكترونية وتسليحية وشبكية حديثة.
وتكمن إحدى أبرز مزايا هذا النهج في أن القوات الجوية تستطيع الاستفادة من منصة ذات سجل تشغيلي طويل، مع تحديث مكوناتها الأساسية لتتلاءم مع متطلبات القتال الجوي الحديث. وهذا يتيح تقليل بعض المخاطر المرتبطة بتطوير منصة جديدة بالكامل، في الوقت الذي يمنح فيه تحديث الإلكترونيات والبرمجيات وأنظمة الحرب الإلكترونية والطائرات قدرات مختلفة جذريا عن النسخ الأقدم من F-15.
ولا يقتصر نطاق الاتفاق على الولايات المتحدة، إذ يمثل دعم المستخدمين الأجانب عنصرا رئيسيا في البرنامج. وتشمل الدول التي يغطيها الإطار التعاقدي شركاء حاليين في برنامج F-15، من بينهم إسرائيل والسعودية وكوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة، بينما يمكن أن تمتد الخدمات أيضا إلى بولندا وإندونيسيا في حال تحولهما إلى مشغلين للمقاتلة.
ويشمل العقد إنشاء مراكز صيانة وإدامة متخصصة داخل المنشآت العسكرية، بهدف تسريع عمليات الإصلاحات الكبرى وتحديث إلكترونيات الطائرات مباشرة في المواقع العسكرية. ويعكس هذا التوجه تغيرا مهما في مفهوم الدعم اللوجستي للطائرات القتالية، إذ لم تعد عمليات الصيانة الثقيلة والتحديثات الإلكترونية بالضرورة مرتبطة بإعادة الطائرة إلى الشركة المصنعة، بل يمكن نقل جزء من هذه القدرات إلى قواعد ومراكز عسكرية مختارة، ما يقلل زمن توقف الطائرات عن الخدمة.
ويأتي ذلك بعد افتتاح القوات الجوية الأمريكية منشأة مماثلة في Warner Robins Air Logistics Complex بولاية جورجيا، لتسريع دمج Eagle Passive Active Warning Survivability System في مقاتلات F-15E Strike Eagle. ويبرز هذا المثال طبيعة التحديثات التي أصبحت مطلوبة للحفاظ على صلاحية F-15 في بيئة قتال تتطور فيها وسائل الاستشعار والصواريخ والحرب الإلكترونية بسرعة كبيرة.
ويكتسب تحديث أنظمة الحماية الإلكترونية أهمية خاصة بالنسبة إلى مقاتلات F-15E، التي صممت أساسا لتنفيذ مهام الضربات بعيدة المدى والهجوم الأرضي إلى جانب قدراتها الجوية. ففي بيئة حديثة تضم منظومات دفاع جوي متقدمة وصواريخ جو-جو بعيدة المدى وشبكات استشعار متكاملة، لا يكفي أن تمتلك المقاتلة محركات قوية وحمولة تسليحية كبيرة، بل تحتاج إلى منظومة متقدمة لاكتشاف التهديدات والتعامل معها وتقليل احتمالات تعرضها للإصابة.
ومن هنا يمكن النظر إلى برنامج F-15 Eagle Crest باعتباره محاولة للحفاظ على القيمة القتالية للمقاتلة من خلال تحديث بنيتها الرقمية والإلكترونية بصورة مستمرة. فالعمر الافتراضي للطائرة قد يمتد لعقود، لكن التكنولوجيا التي تعتمد عليها تتغير خلال سنوات قليلة، ما يجعل التحديث الدوري ضرورة عملياتية وليس خيارا إضافيا.
وتتولى Air Force Life Cycle Management Center في قاعدة Wright-Patterson الجوية بولاية أوهايو إدارة المشروع، بينما ستنفذ أنشطة مرتبطة به في منشأة Boeing بمدينة St. Louis في ولاية ميزوري. ويعكس توزيع المهام بين المؤسسة العسكرية والشركة المصنعة نموذجا طويل الأجل لإدارة منظومة سلاح معقدة، حيث تصبح الشركة شريكا في التحديث وليس مجرد مورد للطائرات.
يكشف العقد عن استمرار اعتماد الولايات المتحدة على مفهوم القوة الجوية المختلطة، بدلا من استبدال جميع المقاتلات القديمة بمقاتلات شبحية من جيل أحدث. فوجود F-15EX إلى جانب F-35 يسمح بتوزيع المهام وفقا لمزايا كل منصة. وبينما توفر F-35 قدرات عالية في التخفي والاستشعار والاختراق والعمل داخل البيئات شديدة التهديد، توفر F-15EX قدرة كبيرة على حمل الأسلحة والعمل كمنصة إطلاق ثقيلة ضمن شبكة قتالية أوسع.
وهذا التكامل يمنح القوات الجوية مرونة أكبر في إدارة الموارد، خصوصا في النزاعات التي قد تتطلب استخدام أعداد كبيرة من الأسلحة بعيدة المدى أو الحفاظ على وجود جوي مستمر لفترات طويلة. وفي هذا السياق، لا تصبح F-15EX منافسا مباشرا لـF-35 بقدر ما تمثل مكملا لها داخل مفهوم عملياتي متعدد الطبقات.
كما أن استمرار استخدام F-15 لدى دول مثل إسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية والسعودية وسنغافورة يمنح البرنامج بعدا أمنيا دوليا. فهذه الدول تشغل المقاتلة في بيئات استراتيجية مختلفة، لكن جميعها تحتاج إلى الحفاظ على جاهزية أساطيلها وتحديثها لمواجهة تطور التهديدات الجوية والصاروخية. وبالتالي فإن برنامج الدعم الأمريكي يوفر لبنية F-15 العالمية آلية مشتركة لاستمرار التطوير والتحديث.