أخبار: Terra Drone تفوز بعقد لتوريد 300 طائرة بدون طيار لوزارة الدفاع اليابانية

في خطوة تعكس التحول المتسارع في العقيدة الدفاعية اليابانية تجاه الأنظمة غير المأهولة، أعلنت شركة Terra Drone اليابانية حصولها على أول عقد دفاعي رسمي من وزارة الدفاع اليابانية لتوريد 300 طائرة مسيّرة من طراز “Modular UAV (General-Purpose), Training Model”، ضمن مناقصة أشرفت عليها وكالة المشتريات والتكنولوجيا واللوجستيات اليابانية ATLA. وتمثل الصفقة، التي تبلغ قيمتها نحو 115.4 مليون ين ياباني، نقطة تحول استراتيجية للشركة التي دخلت قطاع الصناعات الدفاعية بصورة كاملة خلال عام 2026، بعد سنوات من النشاط في المجالات المدنية والتجارية للطائرات غير المأهولة.

وبحسب البيانات الرسمية، من المقرر تسليم الطائرات المسيّرة بحلول 30 سبتمبر 2026، في إطار خطة أوسع تتبناها طوكيو لتعزيز قدراتها الدفاعية المرتبطة بالأنظمة غير المأهولة، وسط تصاعد التهديدات الإقليمية في شرق آسيا، والتطورات المتسارعة في ساحات القتال الحديثة، خصوصاً الحرب الأوكرانية التي أعادت تشكيل مفاهيم الحرب الجوية منخفضة التكلفة.

الصفقة الجديدة لا تُقرأ باعتبارها مجرد عقد تدريب أو تزويد محدود بطائرات UAV، بل باعتبارها مؤشراً واضحاً على توجه اليابان نحو بناء قاعدة صناعية محلية متكاملة للطائرات المسيّرة العسكرية، وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب في قطاع أصبح محورياً في معادلات الردع الحديثة. وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع تخصيص الحكومة اليابانية ما يقرب من 277.3 مليار ين في مشروع موازنة عام 2026 لتعزيز القدرات المرتبطة بالأنظمة غير المأهولة، وهو أكبر تمويل من نوعه في تاريخ اليابان الحديث.

وتحاول طوكيو من خلال هذا التوسع إعادة صياغة بنيتها الدفاعية لمواجهة التحديات المتنامية في محيطها الاستراتيجي، وعلى رأسها التمدد العسكري الصيني، والأنشطة البحرية والجوية الروسية، بالإضافة إلى تنامي قدرات كوريا الشمالية في مجال الصواريخ والطائرات غير المأهولة. وفي هذا السياق، باتت الطائرات المسيّرة تمثل أداة منخفضة التكلفة وعالية الكفاءة لتنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي، مقارنة بالمنصات التقليدية مرتفعة الكلفة.

شركة Terra Drone لم تدخل القطاع الدفاعي من فراغ، بل راكمت خبرات واسعة في مجالات إدارة الحركة الجوية للطائرات بدون طيار، وعمليات التفتيش الصناعي، وحلول Urban Air Mobility، قبل أن تعلن في مارس 2026 عن تأسيس ذراع دفاعية جديدة تحت اسم “Terra Defense”، تستهدف من خلالها الأسواق الأمريكية والأوروبية والآسيوية.

اللافت في التحرك الياباني أن Terra Drone لم تكتفِ بالسوق المحلية، بل اتجهت سريعاً إلى الاستفادة من الخبرات القتالية المتراكمة في الحرب الأوكرانية، عبر شراكات مباشرة مع شركات أوكرانية متخصصة في تطوير الطائرات الاعتراضية منخفضة التكلفة. فقد دخلت الشركة اليابانية في تحالفات استثمارية وتقنية مع شركة Amazing Drones الأوكرانية لتطوير وإنتاج الطائرات الاعتراضية من سلسلة Terra A، وعلى رأسها الطائرتان Terra A1 وTerra A2.

وتشير التقارير إلى أن الطائرة Terra A1 جرى استخدامها فعلياً في أوكرانيا لاعتراض طائرات مسيّرة روسية من طراز Shahed، حيث تصل سرعتها إلى نحو 280 كيلومتراً في الساعة، مع قدرة تشغيلية تصل إلى 15 دقيقة ومدى يبلغ 18 كيلومتراً. أما النسخة Terra A2 فتتميز بتصميم ثابت الجناح وقدرات أكبر على التحليق بعيد المدى، بسرعة تصل إلى 310 كيلومترات في الساعة ومدى يبلغ 75 كيلومتراً، ما يجعلها جزءاً من مفهوم “الدفاع الطبقي” ضد التهديدات الجوية منخفضة التكلفة.

هذه الخبرات القتالية تمنح Terra Drone أفضلية تنافسية كبيرة مقارنة بالعديد من الشركات اليابانية التقليدية، لأنها تجمع بين التكنولوجيا اليابانية المتقدمة والخبرة العملياتية المستخلصة من حرب فعلية تُعد حالياً أكبر مختبر عالمي لتطوير تقنيات الطائرات المسيّرة. كما أن دخول الشركات اليابانية إلى خطوط إنتاج مرتبطة مباشرة بساحات القتال الحديثة يعكس تحوّلاً عميقاً في السياسات الصناعية والأمنية اليابانية التي كانت لعقود طويلة مقيدة بقيود دستورية وسياسية صارمة.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن العقد الجديد يضع Terra Drone في موقع متقدم داخل سوق عالمي يشهد نمواً هائلاً في قطاع الأنظمة غير المأهولة العسكرية. وتشير تقديرات الشركة إلى أن سوق الطائرات المسيّرة العسكرية عالمياً بلغ نحو 15.8 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات بتجاوزه 22 مليار دولار بحلول 2030.

كما أن اليابان تبدو عازمة على بناء منظومة متكاملة تشمل الطائرات الاعتراضية، والطائرات الانتحارية، وأنظمة المراقبة والاستطلاع، وحتى الزوارق البحرية غير المأهولة، في إطار رؤية دفاعية جديدة تركز على المرونة وسرعة الانتشار وتقليل التكلفة التشغيلية. وهذا التحول ينسجم مع الاتجاهات العالمية التي باتت ترى في الطائرات المسيّرة أداة رئيسية لحسم المعارك الحديثة، بعد أن أثبتت الحروب الأخيرة محدودية الاعتماد الحصري على الأنظمة التقليدية باهظة الثمن.

وفي سياق أوسع، فإن نجاح Terra Drone في الفوز بهذا العقد قد يفتح الباب أمام شركات تكنولوجية مدنية أخرى في اليابان لدخول قطاع الصناعات الدفاعية، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والأنظمة الذاتية التشغيل. كما قد يدفع وزارة الدفاع اليابانية إلى تسريع برامج التوطين الدفاعي، بالتوازي مع تعزيز التعاون مع أوكرانيا والدول الغربية في مجال تطوير الأنظمة غير المأهولة.

وعلى المستوى الجيوسياسي، يرسل هذا التطور رسالة واضحة بأن اليابان لم تعد تكتفي بالدور الدفاعي التقليدي، بل تتحول تدريجياً إلى لاعب نشط في سباق التكنولوجيا العسكرية العالمية، خاصة في قطاع الطائرات المسيّرة الذي بات يمثل أحد أهم ميادين المنافسة بين القوى الكبرى. كما أن التعاون الياباني – الأوكراني في هذا المجال يعكس نشوء محور صناعي وتقني جديد يهدف إلى إنتاج حلول منخفضة التكلفة وعالية الفعالية، يمكنها تغيير قواعد الاشتباك في الحروب المستقبلية.

ومع استمرار تصاعد التوترات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يبدو أن الأنظمة غير المأهولة ستصبح خلال السنوات المقبلة أحد أعمدة القوة العسكرية اليابانية، ليس فقط في مهام الاستطلاع والمراقبة، بل أيضاً في الدفاع الجوي والحرب البحرية والعمليات الهجومية بعيدة المدى. وفي هذا الإطار، تمثل صفقة الـ300 طائرة UAV بداية عملية لإعادة تشكيل المشهد الصناعي العسكري الياباني، وفتح مرحلة جديدة من المنافسة العالمية في سوق الطائرات المسيّرة العسكرية.