في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في موازين القوى الدفاعية في منطقة الشرق الأوسط، أعلن الرئيس التركي، في الخامس من فبراير لعام 2026، عن اقتراب التوصل إلى اتفاق استراتيجي يقضي بدخول المملكة العربية السعودية كشريك استثماري رئيسي في برنامج الطائرة المقاتلة من الجيل الخامس KAAN. وجاء هذا الإعلان عقب عودة الرئيس التركي من جولة دبلوماسية رفيعة المستوى شملت الرياض والقاهرة، حيث أكد أن التعاون المشترك في هذا المشروع الحيوي قد يدخل حيز التنفيذ "في أي وقت"، واصفاً الباب بأنه مفتوح تماماً لشراكة صناعية وتقنية شاملة مع الجانب السعودي.
يعود مشروع KAAN، الذي تقوده شركة Turkish Aerospace Industries (TAI)، إلى العقد الماضي حين قررت تركيا المضي قدماً في تطوير مقاتلة سيادة جوية محلية الصنع لتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، خاصة بعد التحديات التي واجهتها في برنامج F-35. ومنذ توقيع عقد التصميم والتطوير في أغسطس 2016 باستثمارات أولية بلغت 1.18 مليار دولار، حقق البرنامج قفزات تقنية هائلة، تُوجت بالرحلة الجوية الأولى للنموذج الأولي في 21 فبراير 2024، تلتها رحلة ثانية ناجحة في مايو من العام نفسه، أثبتت كفاءة الديناميكا الهوائية وأنظمة الدفع.
وتشير التقارير الفنية إلى أن المقاتلة KAAN صُممت لتكون طائرة متعددة المهام بمقعد واحد ومحركين، مع التركيز على خاصية "التخفي" (Low Observability) ومخازن الأسلحة الداخلية. تعتمد الطائرة في نسخها الأولى على محركين من طراز General Electric F110 الأمريكيين، مع خطط طموحة لاستبدالهما بمحركات تركية محلية بالكامل بعد عام 2030 ضمن مشروع TF35000. ويبلغ طول الطائرة 20.3 متراً، مع سرعة قصوى تصل إلى 1.8 Mach، وسقف عملياتي يبلغ 16,764 متراً، مما يضعها في مصاف المقاتلات الأكثر تقدماً عالمياً.
تمثل الرغبة السعودية في الاستثمار في برنامج KAAN تحولاً استراتيجياً عميقاً لكلا البلدين. فبالنسبة للرياض، يتماشى هذا التوجه مع "رؤية المملكة 2030" التي تهدف إلى توطين 50% من الإنفاق العسكري. إن الاستثمار في مقاتلة من الجيل الخامس لا يعني فقط الحصول على أسراب طائرات متطورة، بل يعني نقل المعرفة التقنية، والمشاركة في الإنتاج المشترك، وتطوير سلاسل توريد محلية، وهو ما تفتقر إليه صفقات الشراء المباشرة الجاهزة.
استراتيجياً، يعكس هذا التعاون رغبة الدول الإقليمية الكبرى في تنويع مصادر تسليحها والتحرر من القيود السياسية التي تفرضها القوى الكبرى أحياناً على مبيعات الأسلحة المتقدمة. فالمملكة العربية السعودية، التي واجهت تعقيدات في الحصول على طائرة F-35 منذ عام 2012، تجد في KAAN بديلاً استراتيجياً يضمن لها التفوق الجوي في بيئة جيوسياسية معقدة، وفي الوقت ذاته، يوفر لتركيا التمويل الضخم اللازم للاستمرار في عمليات البحث والتطوير المكلفة للجيل الخامس والسادس من المقاتلات.
علاوة على ذلك، فإن دخول السعودية كشريك يعطي المشروع صبغة "التحالف الدفاعي الإقليمي"، مما يعزز من مكانة أنقرة كمركز صناعي دفاعي عالمي، ويحول KAAN من مشروع وطني تركي إلى منصة تعاون دولية قد تضم مستقبلاً دولاً مثل أذربيجان وباكستان وإندونيسيا، والآن المملكة العربية السعودية التي ترددت أنباء عن حاجتها لما يصل إلى 100 طائرة من هذا الطراز.
إن دخول مقاتلة KAAN كلاعب فاعل في سوق التصدير العالمي، مدعومة باستثمارات سعودية ضخمة، سيهز بلا شك هيمنة الشركات الغربية التقليدية. في الوقت الحالي، يسيطر عدد محدود من الدول على تكنولوجيا الجيل الخامس، ومع ظهور KAAN كخيار متاح للدول التي تسعى للحصول على استقلالية استراتيجية، ستضطر شركات مثل Lockheed Martin و BAE Systems إلى إعادة تقييم استراتيجياتها التسويقية وشروط نقل التكنولوجيا.
كما سيؤدي هذا التعاون إلى تسريع وتيرة المنافسة في قطاع الطيران الدفاعي داخل منطقة الشرق الأوسط وآسيا. إن قدرة تركيا على دمج أنظمة أسلحة محلية متطورة في KAAN، مثل صواريخ Gökdoğan و Bozdoğan الجوية، وصواريخ SOM الجوالة، وصواريخ Çakir، تعني أن المشتري سيحصل على منظومة دفاعية متكاملة (Full Ecosystem) بعيداً عن الرقابة التكنولوجية الغربية الصارمة.
إن إعلان الرئيس التركي عن هذا الاستثمار الوشيك ليس مجرد خبر عن صفقة طائرات، بل هو إعلان عن ولادة قطب دفاعي جديد في الشرق الأوسط، يجمع بين المال والسيادة الجوية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاعتماد المتبادل بين القوى الإقليمية، مما سيعيد رسم خارطة الصناعات الدفاعية العالمية للعقود القادمة.