في تطور تقني يضع معايير جديدة لقدرات التحمل والتخفي في عالم الطيران غير المأهول، أعلنت شركة "Elbit Systems"، عن اختيارها لنظم الدفع الهجينة المتطورة التي تنتجها شركة "Lowental Hybrid" لدمجها في جيلها الجديد من الطائرات بدون طيار "UAVs". وتمثل هذه الشراكة الاستراتيجية، التي تم الإعلان عنها في 29 يناير 2026، نقطة تحول جوهرية نحو اعتماد "Native Parallel Hybrid™ Propulsion System"، وهو أول نظام دفع هجين حقيقي في العالم مصمم خصيصاً للمنصات التكتيكية، مما يمنحها قدرة غير مسبوقة على الجمع بين المدى الطويل والعمليات الصامتة.
الاتفاقية التي تمتد لعقد من الزمن، بدأت باستثمار أولي قيمته 1.4 مليون دولار لتطوير ودمج هذه المحركات، مع آفاق توسعية تشمل تحديث أساطيل كاملة من المسيرات. يعتمد النظام المبتكر على دمج محرك احتراق داخلي "Combustion Engine" مع محرك كهربائي "Electric Motor" في تنسيق متوازٍ يسمح للطائرة بالتبديل السلس بينهما أثناء الطيران. هذه الميزة لا تطيل أمد المهمة فحسب، بل تسمح بشحن البطاريات "In-flight Charging" أثناء عمل محرك الوقود، مما يلغي الحاجة للخدمات اللوجستية المعقدة المرتبطة باستبدال البطاريات على الأرض.
يكمن الابتكار في نظام "Native Parallel Hybrid™" في قدرته على حل المعضلة الكبرى التي تواجه المسيرات التكتيكية: التوازن بين "المدى" و"البصمة الصوتية". فبينما توفر محركات الاحتراق المدى الطويل، إلا أنها تعاني من ضجيج مرتفع وبصمة حرارية تجعلها عرضة للكشف. وفي المقابل، توفر المحركات الكهربائية تخفياً تاماً "Stealthy Operation" ولكن بمدى محدود جداً.
من خلال الحل الذي تقدمه "Lowental Hybrid" لشركة "Elbit Systems"، ستتمكن مسيرات مثل عائلة "Skylark" أو "Hermes" من الإقلاع والوصول إلى منطقة الهدف باستخدام محرك الاحتراق بسرعة عالية، ثم التحول إلى "الوضع الصامت" (Silent Mode) باستخدام الطاقة الكهربائية عند الاقتراب من مناطق التهديد أو أثناء تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة "ISR". وتؤكد التقارير الفنية أن هذا النظام يمكن أن يضاعف مدة بقاء الطائرة في الجو بمقدار خمس مرات مقارنة بالأنظمة التقليدية، مع الحفاظ على موثوقية عالية تلبي معايير "NATO" الصارمة.
من المنظور الاستراتيجي، يحمل هذا الخبر دلالات عميقة حول شكل الحروب القادمة:
أولاً: التفوق في "حروب الظل": إن القدرة على تنفيذ عمليات استطلاع طويلة الأمد فوق أراضي العدو دون إصدار ضجيج محركات يغير قواعد اللعبة تماماً. هذا النظام يمنح القادة العسكريين "عيناً في السماء" لا يمكن رصدها بالوسائل السمعية التقليدية، مما يزيد من نجاح العمليات الخاصة ومهام الاغتيال الموجه أو تتبع الأهداف عالية القيمة في بيئات معقدة.
ثانياً: تقليص العبء اللوجستي: في ساحات المعارك الحديثة، تمثل سلاسل التوريد والوقود والبطاريات نقطة ضعف كبرى. إن قدرة المحرك الهجين على شحن نفسه ذاتياً في الهواء تقلل من الحاجة إلى معدات الشحن الأرضية الضخمة وتقلل من عدد الطواقم الفنية المطلوبة في الخطوط الأمامية. هذا يمنح الوحدات العسكرية "استقلالية عملياتية" (Operational Autonomy) أكبر في المناطق النائية.
ثالثاً: الاستقلال التكنولوجي وسلاسل التوريد: من خلال الاعتماد على تقنيات مطورة محلياً في إسرائيل (مثل Lowental Hybrid)، تضمن "Elbit Systems" حصانة برامجها ضد أي عقوبات دولية أو اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية للمكونات الحساسة. هذا التوجه نحو "السيادة التكنولوجية" يضمن استمرارية الإنتاج والتصدير حتى في ظل الأزمات الجيوسياسية.
يُعد هذا التعاون بمثابة "صافرة إنذار" للمنافسين في سوق المسيرات العالمي، وتأثيراته ستكون ملموسة عبر عدة محاور:
- تسريع سباق "المسيرات الخضراء" عسكرياً: رغم أن الدافع عسكري بحت، إلا أن التحول نحو المحركات الهجينة يضع "Elbit Systems" في طليعة الشركات التي تتبنى تقنيات "الدفاع المستدام". هذا سيجبر الشركات الكبرى مثل "General Atomics" الأمريكية و"Baykar" التركية على تسريع برامجها الخاصة بالمحركات الهجينة للحفاظ على حصتها السوقية.
- خلق فئة جديدة من "المسيرات الهجينة التكتيكية": سيؤدي هذا الإنجاز إلى ظهور فئة جديدة من الطائرات بدون طيار التي تجمع بين خفة وزن المسيرات الصغيرة "STUAS" وقدرة تحمل المسيرات الاستراتيجية الكبيرة. هذا التداخل سيغير من طبيعة العقود الدفاعية، حيث ستبحث الجيوش عن "المرونة" التي يوفرها المحرك الهجين كمعيار أساسي في أي مناقصة قادمة.
- فتح أسواق جديدة للمنصات "Combat Proven": بما أن أنظمة "Elbit Systems" تُختبر ميدانياً بشكل مكثف، فإن نجاح المحرك الهجين في العمليات الفعلية سيعطيه "ختم الجودة" الذي تبحث عنه دول حلف "NATO" ودول شرق آسيا. ومن المتوقع أن نشهد طفرة في صفقات التحديث (Retrofit) للدول التي تمتلك أساطيل قديمة من المسيرات وترغب في دمج هذا القلب الهجين النابض فيها.
إن اختيار "Elbit Systems" لنظام الدفع من "Lowental Hybrid" ليس مجرد صفقة تجارية، بل هو إعلان عن نهاية عصر المحركات التقليدية أحادية المصدر في الطيران المسير. هذا النظام الهجين يمثل "الذكاء الحركي" الذي يواكب الذكاء الاصطناعي في أنظمة القيادة، ليشكلا معاً آلة حرب لا تكل ولا تُسمع. ومع دخول هذا النظام الخدمة الفعلية، ستصبح السماء أكثر صمتاً، لكنها ستكون أكثر رقابة وفتكاً من أي وقت مضى.