كشفت شركة ASELSAN التركية عن مفهومها الجديد للدفاع متعدد الطبقات ضد الطائرات غير المأهولة تحت اسم DRONEDEF، وهو نظام متكامل يجمع بين وسائل الكشف والتتبع والتشويش والتدمير الحركي وغير الحركي ضمن بنية تشغيلية موحدة تهدف إلى توفير حماية شاملة ضد مختلف أنواع التهديدات الجوية منخفضة الارتفاع. وقد جاء الكشف عن المنظومة خلال عرض ميداني حي شهد مشاركة وفود عسكرية وإعلامية من أكثر من 20 دولة، في رسالة واضحة تعكس طموح أنقرة للتحول إلى أحد اللاعبين الرئيسيين في سوق الأنظمة المضادة للمسيّرات عالمياً.
ويعكس مشروع DRONEDEF تحولاً مهماً في فلسفة الدفاع الجوي التركية. فبدلاً من الاعتماد على نظام منفرد أو وسيلة اعتراض واحدة، تعتمد المنظومة الجديدة على مفهوم الدفاع الطبقي المتكامل، حيث تعمل الرادارات وأجهزة الاستشعار ومنظومات الحرب الإلكترونية وأسلحة الطاقة الموجهة ضمن شبكة قيادة وسيطرة موحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويهدف هذا النهج إلى منح القوات المسلحة القدرة على التعامل مع التهديدات المختلفة بأكثر الوسائل فعالية وأقلها تكلفة وفقاً لطبيعة الهدف ومستوى الخطر الذي يمثله.
وخلال التجارب الميدانية التي أجرتها ASELSAN، جرى اختبار المنظومة ضد عدة سيناريوهات عملياتية تحاكي طبيعة التهديدات الحديثة. ففي أحد السيناريوهات تمكن نظام İHTAR من اكتشاف طائرتين مسيّرتين تعملان عبر كابلات الألياف الضوئية ضمن تشكيل يشبه الأسراب، مستفيداً من دعم رادار المراقبة AURA 200-G. وبعد تحليل البيانات تلقائياً داخل مركز العمليات، تم تكليف منظومة EJDERHA بالتعامل مع الهدف، حيث نجحت في تحييده باستخدام تأثيرات الموجات الميكروية عالية الطاقة. ويكتسب هذا السيناريو أهمية خاصة لأن الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية تمثل أحد أكثر التهديدات تعقيداً أمام أنظمة الحرب الإلكترونية التقليدية نظراً لعدم اعتمادها على الروابط اللاسلكية المعتادة.
وفي سيناريو آخر، تعاملت المنظومة مع طائرات مسيّرة تعمل بالتحكم اللاسلكي وتقترب من اتجاهات متعددة في وقت واحد، حيث نجحت وسائل الكشف والتتبع في رصدها مبكراً قبل أن يتم اعتراضها ومنعها من الوصول إلى منطقة الحماية. أما المرحلة النهائية من العرض فقد شهدت استخدام منظومة GÖKBERK الليزرية لتدمير طائرة مسيّرة موجهة بالألياف الضوئية كانت تتجه نحو الهدف المحمي، في استعراض لقدرات أسلحة الطاقة الموجهة التي أصبحت أحد أبرز الاتجاهات الحديثة في مجال الدفاع الجوي قصير المدى.
وتتمثل إحدى أهم نقاط القوة في DRONEDEF في قدرته على الجمع بين وسائل Soft-Kill وHard-Kill ضمن إطار واحد. فبينما تتولى أنظمة الحرب الإلكترونية والموجات الميكروية تعطيل أو إرباك الطائرات المسيّرة عندما يكون ذلك ممكناً، توفر منظومات الليزر والمدفعية الاعتراضية طبقة إضافية للتعامل مع الأهداف التي لا يمكن تحييدها إلكترونياً. ويمنح هذا المزيج القوات المسلحة مرونة كبيرة في إدارة الاشتباكات، كما يقلل من استهلاك الذخائر التقليدية المكلفة عند مواجهة أهداف منخفضة القيمة نسبياً.
ووفقاً للمعلومات التي قدمتها الشركة، تتم إدارة جميع مكونات المنظومة من خلال مركز قيادة وتحكم موحد يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تصنيف التهديدات وتوزيع المهام بين الأنظمة المختلفة. كما يصل مدى الكشف إلى نحو 10 كيلومترات، مع إمكانية دمج مجموعة واسعة من الأنظمة التركية الأخرى داخل البنية التشغيلية نفسها، بما في ذلك GÖKALP وMİĞFER وKORKUT وŞAHİN LITE وŞAHİN DUAL، ما يسمح ببناء شبكة دفاعية متعددة الطبقات تتناسب مع طبيعة الموقع أو المهمة المطلوب حمايتها.
ويأتي الكشف عن DRONEDEF في توقيت يشهد نمواً غير مسبوق في سوق الأنظمة المضادة للمسيّرات. فقد أثبتت الحرب في أوكرانيا والصراعات الدائرة في الشرق الأوسط أن الطائرات غير المأهولة منخفضة الكلفة أصبحت قادرة على تهديد دبابات ومنظومات دفاع جوي ومنشآت استراتيجية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات. ونتيجة لذلك، بدأت الجيوش حول العالم البحث عن حلول قادرة على مواجهة هذا النوع من التهديدات بصورة اقتصادية ومستدامة، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بمنظومات الليزر والحرب الإلكترونية والموجات الميكروية.
يمثل DRONEDEF جزءاً من رؤية أوسع تتبناها ASELSAN تقوم على دمج مختلف الأنظمة الدفاعية ضمن شبكات عملياتية مترابطة بدلاً من تشغيلها كمنصات منفصلة. وقد ظهرت هذه الفلسفة بوضوح في مشاريع الشركة المرتبطة بمبادرة Steel Dome التركية، والتي تستهدف بناء بنية دفاع جوي وطنية متعددة الطبقات تجمع بين الرادارات وأنظمة الحرب الإلكترونية ومنظومات الدفاع الجوي والصواريخ وأسلحة الطاقة الموجهة ضمن إطار موحد. وتعد أنظمة مكافحة المسيّرات إحدى الركائز الأساسية في هذه الاستراتيجية.
كما يكشف المشروع عن إدراك متزايد داخل تركيا بأن الحروب المستقبلية لن تعتمد فقط على الطائرات المقاتلة أو الصواريخ التقليدية، بل ستشهد انتشاراً واسعاً لأسراب المسيّرات والأنظمة غير المأهولة القادرة على تنفيذ هجمات جماعية منخفضة الكلفة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح القدرة على إدارة أعداد كبيرة من الأهداف الجوية الصغيرة في وقت واحد عاملاً حاسماً في الحفاظ على فعالية الدفاعات الجوية وحماية المنشآت الحيوية والقوات البرية المتحركة.
واستراتيجياً، يعزز DRONEDEF مكانة ASELSAN في واحدة من أكثر أسواق الصناعات الدفاعية نمواً في العالم. فمع تزايد الطلب الدولي على حلول مكافحة المسيّرات، تسعى الشركة إلى تقديم منظومة متكاملة لا تقتصر على الرادارات أو التشويش أو الليزر فقط، بل توفر بنية دفاعية كاملة يمكن تكييفها وفق متطلبات كل عميل. ويمنح هذا النهج تركيا فرصة لتعزيز حضورها في أسواق الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأوروبا، خصوصاً في ظل ارتفاع الطلب على الحلول الأقل تكلفة مقارنة بالأنظمة الغربية التقليدية.
إن DRONEDEF لا يمثل مجرد نظام جديد مضاد للطائرات المسيّرة، بل يجسد رؤية تركية متكاملة لمستقبل الدفاع الجوي قصير المدى في عصر أصبحت فيه المسيّرات والأسراب الجوية والتهديدات منخفضة الكلفة أحد أبرز تحديات الأمن العسكري العالمي. وإذا نجحت ASELSAN في تحويل هذه المنظومة إلى منتج تصديري واسع الانتشار، فقد تصبح تركيا خلال السنوات المقبلة أحد أبرز مزودي حلول مكافحة المسيّرات على الساحة الدولية.