أخبار: إندونيسيا تبرم صفقة تاريخية لتحديث الحاملة Giuseppe Garibaldi

في خطوة وصفت بأنها "تحول جيوسياسي" في منطقة جنوب شرق آسيا، أعلنت وزارة الدفاع الإندونيسية عن التوصل إلى اتفاق نهائي مع الجانب الإيطالي، ممثلاً بشركة Fincantieri العملاقة، للقيام بعملية تحديث شاملة وإعادة تأهيل لحاملة الطائرات السابقة التابعة للبحرية الإيطالية، Giuseppe Garibaldi. تأتي هذه الخطوة الطموحة في إطار سعي جاكرتا المحموم لتعزيز قدرات القوات البحرية الإندونيسية (TNI-AL) وضمان سيادتها على مياهها الإقليمية الممتدة وسط تصاعد التوترات في بحر الصين الجنوبي.

تتضمن الاتفاقية المبرمة حزمة متكاملة من التحديثات الهيكلية والتكنولوجية التي ستنقل السفينة Giuseppe Garibaldi من حقبة الحرب الباردة إلى عصر الحروب الرقمية والشبكية. ومن أبرز ملامح هذا التعاون التقني ما يلي:

- إعادة التصميم العملياتي: ستقوم شركة Fincantieri بالإشراف على تحويل السفينة إلى منصة متعددة المهام، قادرة على العمل كحاملة طائرات هليكوبتر ضخمة (LHD/LHA) ومركز قيادة وسيطرة متنقل للأسطول الإندونيسي.

- تحديث الأنظمة القتالية: ستزود السفينة بنظام إدارة القتال المتطور Athena من إنتاج شركة Leonardo، بالإضافة إلى رادارات المسح الإلكتروني النشط (AESA) من طراز Kronos، مما يمنحها قدرات فائقة على رصد الأهداف الجوية والبحرية من مسافات شاسعة.

- التسليح والدفاع الذاتي: سيتم دمج أنظمة دفاع جوي حديثة تشمل صواريخ Aster 15 أو CAMM-ER، بالإضافة إلى مدافع 76mm Strales القادرة على اعتراض القذائف والصواريخ الجوالة، مما يوفر مظلة حماية قوية للسفينة ومحيطها.

- دعم الطيران والمسيرات: سيتم تحديث حظائر الطائرات وسطح الطيران لاستيعاب مروحيات النقل والقتال الحديثة، مع إضافة قدرات خاصة لإطلاق وتوجيه الطائرات بدون طيار (UAVs) بعيدة المدى، مما يعزز قدرات الاستطلاع البحري.

ومن المقرر أن تتم أجزاء حيوية من عمليات التحديث في أحواض بناء السفن الإيطالية، مع خطة لنقل التكنولوجيا والخبرات إلى شركة PT PAL الإندونيسية، لضمان قدرة جاكرتا على صيانة وتشغيل هذه المنصة المعقدة محلياً.

تمثل حيازة إندونيسيا للسفينة Giuseppe Garibaldi بعد تحديثها دلالة استراتيجية عميقة تتجاوز مجرد إضافة قطعة بحرية جديدة؛ فهي تعكس رغبة جاكرتا في التحول من "دفاع ساحلي" إلى "بحرية مياه عميقة" (Blue-water navy).

استراتيجياً، تبعث هذه الصفقة برسالة واضحة إلى القوى الإقليمية، وخاصة الصين، بأن إندونيسيا لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه أي تهديد لمناطقها الاقتصادية الخالصة، لا سيما في جزر ناتونا. وجود منصة بحرية بهذا الحجم والقدرة يمنح الجيش الإندونيسي قدرة "الإسقاط القوي" (Power Projection) بعيداً عن قواعده البرية، ويسهل عمليات الإغاثة الإنسانية والتدخل السريع في الأرخبيل الإندونيسي الواسع.

كما تعزز هذه الصفقة الشراكة الدفاعية بين جاكرتا وروما، وتؤكد نجاح الدبلوماسية الدفاعية الإيطالية في اختراق الأسواق الآسيوية عبر تقديم حلول متكاملة تشمل السفن المستعملة والمحدثة بأسعار تنافسية وتقنيات متطورة، مما يجعل إيطاليا شريكاً استراتيجياً موثوقاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

سيكون لهذه الصفقة وتحديث السفينة Giuseppe Garibaldi صدى واسع في سوق السلاح العالمي، ويمكن تحليل هذا التأثير في:

- ازدهار سوق "إعادة التأهيل والتحديث": تثبت هذه الصفقة أن هناك سوقاً ضخمة ومتنامية للسفن الحربية الكبيرة المستعملة التي يتم تحديثها بتقنيات حديثة. هذا التوجه سيشجع دولاً أخرى على التفكير في بيع قطعها البحرية القديمة بدلاً من تفكيكها، وسيشجع الدول النامية على اقتناء منصات "استراتيجية" بتكلفة أقل من بناء سفن جديدة تماماً.

- تعزيز مكانة الشركات الإيطالية: ستؤدي هذه الصفقة إلى ترسيخ مكانة Fincantieri وLeonardo كمنافسين أقوياء للشركات الفرنسية والأمريكية في آسيا. النجاح في تحديث Garibaldi سيكون بمثابة "معرض متنقل" لجودة الصناعة الإيطالية، مما قد يفتح الأبواب لعقود مشابهة مع دول مثل ماليزيا أو الفلبين.

- سباق التسلح البحري في جنوب شرق آسيا: ستدفع هذه الخطوة دول الجوار لإعادة تقييم قدراتها البحرية، مما قد يؤدي إلى موجة جديدة من المشتريات الدفاعية، خاصة في مجال الغواصات والفرقاطات المضادة للطائرات لمواجهة القدرات الجديدة لإندونيسيا.

- التكامل بين التكنولوجيا القديمة والحديثة: تضع هذه الصفقة معياراً جديداً لكيفية دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي والرادارات الرقمية في هياكل سفن صممت في السبعينيات والثمانينيات، مما يفتح آفاقاً لشركات البرمجيات الدفاعية لتطوير "حزم تحديث" جاهزة للمنصات القديمة حول العالم.

إن تحويل Giuseppe Garibaldi إلى قوة ضاربة في الأسطول الإندونيسي هو شهادة على ذكاء التخطيط العسكري في جاكرتا وبراعة الهندسة الإيطالية، وهو تحول سيغير بلا شك قواعد اللعبة البحرية في واحدة من أكثر مناطق العالم حيوية واضطراباً.