أعلنت كل من إيطاليا وإسبانيا عن مذكرات تفاهم جديدة وتحديثات جوهرية تتعلق بمشروع European Patrol Corvette المعروف اختصاراً بـ (EPC). ويمثل هذا المشروع حجر الزاوية في مبادرة التعاون الهيكلي الدائم (PESCO) التابعة للاتحاد الأوروبي، حيث يهدف إلى تطوير جيل جديد من السفن الحربية المتوسطة التي تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة، الكفاءة التشغيلية، والقدرة على التكيف مع التهديدات البحرية الناشئة في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
يأتي هذا التعاون بقيادة عملاقي الصناعة البحرية في البلدين، شركة Fincantieri الإيطالية وشركة Navantia الإسبانية، بالتعاون مع Naval Group الفرنسية وشركة Hydrus اليونانية، تحت مظلة المشروع المشترك Naviris. ويهدف البرنامج إلى بناء منصة بحرية مرنة قادرة على أداء مهام متنوعة تبدأ من الدوريات البحرية وحماية خطوط الملاحة، وصولاً إلى العمليات القتالية المحدودة ومكافحة القرصنة والتهريب، مما يجعله المشروع الدفاعي البحري الأكثر طموحاً في القارة العجوز خلال العقد الحالي.
تم تصميم السفينة European Patrol Corvette لتكون منصة "نموذجية" (Modular Platform)، مما يعني قدرة الدول المشاركة على تخصيص التجهيزات والأسلحة وفقاً لاحتياجاتها الوطنية الخاصة. يبلغ طول السفينة حوالي 110 أمتار، مع إزاحة تقترب من 3000 طن، وهي مصممة لتعمل في بيئات بحرية معقدة. وتعتمد السفينة على نظام إدارة معارك متطور (Combat Management System - CMS) يتيح الربط اللحظي مع الطائرات المسيرة (UAVs) والغواصات غير المأهولة (UUVs).
من الناحية التسليحية، ستكون السفينة مجهزة بأنظمة دفاع جوي وصاروخي من إنتاج شركة MBDA، ومدافع بحرية من عيار 76 ملم من إنتاج Leonardo. كما تركز الهندسة البحرية للمشروع على تقليل البصمة الرادارية (Stealth Features) وتعزيز كفاءة استهلاك الوقود من خلال أنظمة دفع هجينة، مما يضمن بقاء السفينة لفترات أطول في عرض البحر (Endurance) مع تقليل التكاليف التشغيلية، وهو مطلب أساسي للقوات البحرية الحديثة التي تواجه قيوداً في الميزانية.
تتجاوز أهمية مشروع EPC الجانب التقني لتصل إلى أبعاد جيوسياسية عميقة. فبالنسبة لإيطاليا وإسبانيا، يمثل هذا المشروع أداة لفرض النفوذ في منطقة "المتوسط الموسع". إن التنسيق بين Fincantieri و Navantia يعكس رغبة القوى البحرية في جنوب أوروبا في قيادة الأجندة الأمنية البحرية للاتحاد الأوروبي، بعيداً عن الاعتماد الكلي على التكنولوجيا الأمريكية.
يساهم المشروع في توحيد المعايير العملياتية (Interoperability) بين البحريات الأوروبية. فعندما تشغل عدة دول نفس المنصة البحرية، يصبح التنسيق في المهام المشتركة، والصيانة، والتدريب أكثر سلاسة وأقل تكلفة. كما يرسل المشروع رسالة قوية إلى القوى الإقليمية والمنافسين الدوليين بأن أوروبا قادرة على تطوير حلول دفاعية سيادية تلبي متطلبات الأمن البحري، خاصة في ظل التوترات المتزايدة في شرق المتوسط والممرات المائية الحيوية.
على المستوى العالمي، يضع مشروع European Patrol Corvette معياراً جديداً لسوق السفن الحربية من فئة "الكورفيت" و"الفرقاطات الخفيفة". ومن المتوقع أن يهيمن هذا المنتج على حصة كبيرة من سوق التصدير العالمي، خاصة في مناطق جنوب شرق آسيا، أمريكا اللاتينية، وأفريقيا، حيث تبحث الدول عن سفن متطورة تكنولوجياً ولكن بتكاليف تشغيلية مقبولة مقارنة بالمدمرات الكبيرة.
إن نجاح هذا النموذج من التعاون العابر للحدود يهدد الهيمنة التقليدية لبعض أحواض بناء السفن الآسيوية والأمريكية. فالمشروع لا يبيع "سفينة" فحسب، بل يبيع "منظومة تعاونية" مدعومة بتمويل من صندوق الدفاع الأوروبي (EDF). هذا الدعم المالي والسياسي يمنح الشركات الأوروبية مثل Fincantieri و Navantia ميزة تنافسية هائلة، حيث يتم تقليل مخاطر التطوير وتوزيع التكاليف على عدة دول مشتركة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التوجه نحو المنصات الرقمية والمفتوحة في EPC يفتح الباب أمام شركات التكنولوجيا الدفاعية المتوسطة والصغيرة للدخول في سلاسل التوريد العالمية، مما يعزز من حيوية القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية. وفي نهاية المطاف، سيؤدي هذا المشروع إلى إعادة صياغة توازنات القوى البحرية، حيث ستصبح السفن الأصغر والأكثر ذكاءً وقدرة على الاتصال هي العمود الفقري للأساطيل الحديثة، مما يجعل من الـ EPC المنصة الأكثر مبيعاً وتأثيراً في العقد القادم