أخبار: الفرقاطة الفرنسية FDI الأولى تُنهي 123 يومًا من الاختبارات استعدادًا لدخول الخدمة العملياتية

أنهت البحرية الفرنسية واحدة من أطول وأشمل مراحل التقييم البحري في تاريخها الحديث، بعدما أكملت الفرقاطة Amiral Ronarc'h، أولى فرقاطات FDI، انتشارًا تجريبيًا استمر 123 يومًا شمل آلاف الأميال البحرية عبر عدة مسارح عمليات، وذلك تمهيدًا لدخولها الخدمة العملياتية الكاملة خلال صيف 2026. ويعد هذا الانتشار محطة حاسمة في برنامج FDI الذي يمثل الجيل الجديد من السفن القتالية السطحية الفرنسية، ويهدف إلى إحلال الفرقاطات الأقدم بمنصات رقمية متعددة المهام تتمتع بقدرات متقدمة في الدفاع الجوي والحرب المضادة للغواصات والقتال البحري.

وانطلقت الفرقاطة في يناير 2026 في مهمة اختبارية طويلة شملت بحر الشمال وشمال المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، قبل أن تعود إلى فرنسا بعد استكمال برنامج مكثف لتقييم مختلف أنظمة القتال والاستشعار والقيادة والسيطرة تحت ظروف تشغيل واقعية. ولم يكن الهدف من المهمة مجرد إجراء تجارب بحرية تقليدية، بل اختبار أداء السفينة كمنصة قتالية متكاملة في بيئات عمليات مختلفة، مع التحقق من جاهزية الطاقم وقدرة المنظومات الإلكترونية والتسليحية على العمل بصورة متواصلة خلال انتشار طويل المدى.

وخلال فترة الانتشار، أجرت Amiral Ronarc'h سلسلة واسعة من التدريبات والاختبارات، تضمنت عمليات دفاع جوي، ومهام مكافحة الغواصات، وتمارين الحرب الإلكترونية، وإدارة الاشتباكات السطحية، إضافة إلى تقييم قدرات دمج البيانات بين مختلف أجهزة الاستشعار وأنظمة القيادة. كما اختبرت البحرية الفرنسية أداء السفينة في ظروف بحرية ومناخية متباينة، للتأكد من قدرتها على تنفيذ المهام القتالية بعيدة المدى التي ستكلف بها مستقبلًا ضمن الأساطيل الفرنسية وقوات المهام التابعة لحلف شمال الأطلسي.

وتعد فرقاطات FDI من أكثر السفن الحربية تطورًا التي طورتها شركة Naval Group لصالح البحرية الفرنسية، إذ يبلغ وزنها نحو 4,500 طن ويصل طولها إلى 122 مترًا، فيما صُممت منذ البداية لتكون منصة قتالية رقمية بالكامل تعتمد على بنية معلوماتية متطورة تسمح بدمج جميع أنظمة الاستشعار والأسلحة في شبكة قيادة وسيطرة موحدة، بما يرفع سرعة اتخاذ القرار ويزيد من كفاءة إدارة المعركة البحرية.

وتحمل الفرقاطة حزمة تسليح متقدمة تشمل صواريخ MBDA Aster 15 وAster 30 للدفاع الجوي، وصواريخ Exocet MM40 Block 3C المضادة للسفن، ومنظومة RAM للدفاع القريب، إضافة إلى طوربيدات MU90 لمكافحة الغواصات، ومدفعًا رئيسيًا عيار 76 mm، فضلًا عن قدرتها على تشغيل مروحية NH90 أو H160M Guépard، إلى جانب أنظمة جوية غير مأهولة عند الحاجة. ويمنح هذا التسليح السفينة قدرة على تنفيذ مختلف المهام القتالية سواء بصورة مستقلة أو ضمن مجموعات بحرية مشتركة.

كما تعتمد FDI على رادار Sea Fire العامل بتقنية AESA، والذي طورته شركة Thales، ويعد أول رادار بحري فرنسي ثابت الصفيف رباعي الوجوه يعمل بالكامل بهذه التقنية. ويوفر الرادار قدرة على تتبع مئات الأهداف الجوية والسطحية في وقت واحد، مع تحسين كبير في مواجهة التهديدات الحديثة، بما في ذلك الصواريخ الأسرع من الصوت والطائرات المسيّرة منخفضة البصمة الرادارية، وهو ما يمثل قفزة نوعية مقارنة بالأجيال السابقة من الفرقاطات الفرنسية.

ويمثل الانتشار التجريبي الممتد 123 يومًا جزءًا من فلسفة البحرية الفرنسية الجديدة في إدخال السفن إلى الخدمة، والتي تعتمد على اختبار المنصات الجديدة في ظروف تشغيل حقيقية قبل إعلان جاهزيتها العملياتية. ويسمح هذا النهج باكتشاف أي ملاحظات فنية أو تشغيلية خلال الاستخدام الفعلي، وإجراء التعديلات اللازمة قبل دخول السفينة الخدمة الكاملة، بما يقلل المخاطر ويرفع مستوى الاعتمادية خلال سنوات التشغيل الأولى.

ويأتي نجاح Amiral Ronarc'h في اجتياز هذه المرحلة بالتزامن مع استمرار بناء باقي فرقاطات FDI المخصصة للبحرية الفرنسية، إلى جانب تنفيذ عقود التصدير الخاصة باليونان، التي تعاقدت على نسخ مطورة من الفئة نفسها. ويعكس ذلك نجاح البرنامج في الجمع بين تلبية احتياجات البحرية الفرنسية وتعزيز صادرات الصناعات البحرية الدفاعية الفرنسية، في وقت يشهد فيه سوق الفرقاطات الحديثة منافسة متزايدة بين كبرى الشركات العالمية.

تؤكد نتائج الاختبارات أن FDI صُممت لتكون منصة قادرة على تنفيذ مختلف أدوار القتال البحري، بدءًا من حماية مجموعات القطع البحرية وحاملات الطائرات، مرورًا بالدفاع الجوي بعيد المدى، ووصولًا إلى مكافحة الغواصات والقيام بمهام الردع والانتشار في البحار البعيدة. كما أن البنية الرقمية المتقدمة للسفينة تمنحها قدرة عالية على الاندماج ضمن شبكات القيادة والسيطرة المشتركة، سواء على المستوى الوطني أو داخل عمليات حلف شمال الأطلسي، بما يعزز من كفاءة العمليات البحرية متعددة الجنسيات.

يعكس نجاح برنامج الاختبارات الطويلة تحولًا واضحًا في العقيدة البحرية الفرنسية، التي أصبحت تركز على امتلاك عدد أقل من السفن، لكن بقدرات قتالية وتكنولوجية أعلى بكثير من الأجيال السابقة. كما يبرز البرنامج اهتمام باريس بتطوير منصات بحرية قادرة على مواجهة التهديدات المستقبلية، وفي مقدمتها الصواريخ فرط الصوتية والطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية، مع الحفاظ على القدرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى لحماية المصالح الفرنسية عبر مختلف المسارح البحرية.

إن اجتياز Amiral Ronarc'h هذه المرحلة بنجاح يمثل دفعة قوية لشركة Naval Group وبرنامج FDI في الأسواق العالمية، خاصة بعد النجاحات التصديرية التي حققتها المنصة خلال السنوات الأخيرة. كما يعزز ثقة الدول الباحثة عن فرقاطات متعددة المهام في القدرات التشغيلية للفئة الجديدة، ويدعم مكانة فرنسا كأحد أبرز مطوري السفن القتالية الحديثة، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على المنصات البحرية الرقمية القادرة على دمج الاستشعار والتسليح والقيادة والسيطرة ضمن منظومة قتالية واحدة تلائم متطلبات الحروب البحرية المستقبلية.