أخبار: جيبوتي تدشن مجمعاً لصيانة السفن لتعزيز سيادتها البحرية وتغيير قواعد اللوجستيات العسكرية

في قلب أحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم، وبينما تزداد وتيرة العسكرة في منطقة القرن الأفريقي، خطت جمهورية جيبوتي خطوة استراتيجية كبرى لتعزيز مكانتها كقوة لوجستية وبحرية مهيمنة. وفي حدث رسمي مهيب في أبريل 2026، دشن الرئيس الجيبوتي المرفق الجديد لإصلاح وصيانة السفن (Djibouti Ship Repair Facility)، وهو مشروع ضخم يهدف إلى سد فجوة تقنية وعملياتية استمرت لعقود في مدخل البحر الأحمر وخليج عدن. هذا الافتتاح لا يمثل فقط قفزة في البنية التحتية المدنية، بل يعد ركيزة أساسية في العقيدة الدفاعية الجديدة لجيبوتي، تتيح لها ولحلفائها الدوليين قاعدة إسناد فني متطورة في منطقة تعج بالتوترات الجيوسياسية.

يعد المرفق الجديد، الذي بلغت استثماراته مئات الملايين من الدولارات بالتعاون مع شركاء دوليين، طفرة في تكنولوجيا الهندسة البحرية. وتتضمن التفاصيل الفنية والزمنية لهذا الإنجاز ما يلي:

- البنية التحتية المتطورة: يضم المجمع حوضاً عائماً بقدرات إزاحة ضخمة، مما يسمح باستقبال السفن التجارية العملاقة والقطع البحرية العسكرية متوسطة الحجم، مثل الفرقاطات من طراز FREMM وسفن الدعم اللوجستي.

- الجدول الزمني للتشغيل: بدأت الأعمال الإنشائية المكثفة في عام 2024، واستمرت بوتيرة متسارعة لتنتهي في الموعد المحدد في أبريل 2026، مع البدء الفوري في استقبال أولى السفن لإجراء عمليات الصيانة الدورية والعمرة الشاملة.

- التكامل مع التكنولوجيا الدفاعية: تم تزويد المرفق بورش متخصصة في صيانة الرادارات والأنظمة الإلكترونية البحرية، بالتعاون مع شركات دفاعية عالمية، لضمان قدرة جيبوتي على صيانة زوارق الطوربيد وسفن الخفر التابعة لبحرية جيبوتي وسفن الأساطيل الأجنبية المتمركزة هناك.

- العمالة والتدريب: كجزء من الصفقة، تم إطلاق برنامج تدريب وطني لنقل الخبرات المهنية من المهندسين الدوليين إلى الكوادر الجيبوتية، لضمان استدامة تشغيل المرفق بكفاءة تضاهي المعايير العالمية في دبي وسنغافورة.

لطالما كانت جيبوتي موطناً لقواعد عسكرية تابعة لقوى عظمى، بما في ذلك الولايات المتحدة، الصين، فرنسا، واليابان. ومع ذلك، كانت هذه القواعد تعتمد على خطوط إمداد وصيانة خارجية طويلة المدى. وفي ظل تصاعد التهديدات البحرية في عامي 2025 و2026، بما في ذلك هجمات المسيرات البحرية وتزايد القرصنة والتنافس الدولي على مضيق باب المندب، أصبح وجود مرفق صيانة محلي "ضرورة أمنية قصوى".

تاريخياً، كانت السفن التي تتعرض لأعطال أو أضرار قتالية في البحر الأحمر تضطر للتوجه إلى الموانئ الأوروبية أو الخليجية، مما يستغرق وقتاً طويلاً ويقلل من الجاهزية القتالية. وبافتتاح هذا المرفق في أبريل 2026، وضعت جيبوتي حداً لهذا الضعف اللوجستي، محولةً أراضيها إلى "مرآب استراتيجي" للأساطيل الصديقة.

يمثل هذا المرفق إضافة استراتيجية للقوى البحرية العاملة في المنطقة. فوجود منصة صيانة وإصلاح بالقرب من مناطق العمليات الساخنة يقلل من زمن "خروج القطع البحرية من الخدمة"، مما يعزز من فاعلية مهام حماية الملاحة الدولية. استراتيجياً، هذا يعني زيادة عدد السفن الجاهزة للقتال في المنطقة دون الحاجة لزيادة عدد الأساطيل فعلياً.

تنتقل جيبوتي بهذا المشروع من مجرد دولة مستضيفة للقواعد العسكرية إلى شريك استراتيجي يقدم خدمات تقنية لا غنى عنها. هذا يعزز من ثقل جيبوتي السياسي في المفاوضات الدولية، حيث تصبح عقود الصيانة أداة جديدة من أدوات "القوة الناعمة" والدبلوماسية الدفاعية. كما يوفر المرفق فرصة لشركات مثل Damen Shipyards أو Navantia لإقامة مراكز خدمة إقليمية في جيبوتي، مما ينعش سوق الصناعات البحرية في شرق أفريقيا.

يعزز هذا المشروع من تفوق جيبوتي على منافسيها الإقليميين الذين يسعون لبناء موانئ وقواعد بحرية (مثل إثيوبيا في تفاهماتها مع إقليم أرض الصومال). فمن خلال امتلاك "التكنولوجيا والخبرة" في الصيانة، تضمن جيبوتي بقاءها المركز العصبي الوحيد والآمن للتجارة والأمن في المنطقة، مما يحبط أي محاولات لتهميش دورها الاستراتيجي.