أخبار: روسيا تكشف عن منتجات جديدة في معرض فليت-2026 البحري

استغلّت روسيا معرض «فليت 2026» البحري الدولي في مدينة كرونشتادت لعرض مجموعة من أحدث برامجها البحرية والعسكرية التي تعكس الاتجاهات المستقبلية لتطوير الأسطول الروسي. وأظهرت المعروضات أن موسكو باتت تمنح أولوية متزايدة للزوارق غير المأهولة والأنظمة البحرية الذاتية التشغيل وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع استمرار الاستثمار في الغواصات والسفن القتالية التقليدية. وقد شهد المعرض مشاركة أكثر من 200 شركة ومؤسسة من قطاع الصناعات الدفاعية والبحرية الروسية إلى جانب وفود أجنبية من عشرات الدول، ما جعله أحد أبرز الأحداث العسكرية البحرية الروسية خلال العام الجاري.

وجاءت الأنظمة البحرية غير المأهولة في صدارة الاهتمام خلال المعرض، وهو أمر لم يكن مفاجئاً في ضوء الدروس المستخلصة من النزاعات الحديثة، خصوصاً في البحر الأسود والبحر الأحمر. فقد عرضت المؤسسات الروسية عدداً من الزوارق القتالية غير المأهولة التي تعتمد على تقنيات الملاحة الذاتية والذكاء الاصطناعي، وتستطيع تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة والحرب الإلكترونية والهجمات البحرية دون الحاجة إلى وجود أطقم بشرية على متنها. وأكدت الشركات المشاركة أن هذه الأنظمة صُممت لتوفير حلول منخفضة المخاطر وعالية المرونة للعمليات البحرية المستقبلية.

وكانت شركة Rosoboronexport من أبرز المشاركين في المعرض، حيث قدمت للمرة الأولى الزوارق غير المأهولة Briz وBEK-6 ومنظومة Unmanned Water System، وهي مشاريع تمثل الجيل الجديد من المنصات البحرية الذاتية التشغيل. وتتميز هذه الزوارق بهياكل مركبة منخفضة البصمة الرادارية وأنظمة ملاحة وتحكم مدعومة بعناصر من الذكاء الاصطناعي، مع إمكانية تزويدها بحمولات مختلفة وفق طبيعة المهمة المطلوبة. وتؤكد هذه المشاريع أن روسيا تسعى إلى بناء منظومة متكاملة من الوسائط البحرية غير المأهولة القادرة على تنفيذ مهام قتالية واستطلاعية بصورة مستقلة أو ضمن شبكات عملياتية أوسع.

ولم يقتصر التركيز على الزوارق السطحية فقط، بل شمل أيضاً الأنظمة غير المأهولة تحت سطح البحر. فقد برزت خلال المعرض منصات مثل MMT-300 وKlavesin-1RE، وهي مركبات غير مأهولة مصممة لتنفيذ مهام الاستطلاع البحري ورسم الخرائط والمسح الهيدروغرافي ومهام خاصة في الأعماق الكبيرة. ويعكس هذا التوجه اهتماماً متزايداً لدى البحرية الروسية بالحرب تحت السطحية غير المأهولة، التي أصبحت تمثل أحد أهم مجالات المنافسة بين القوى البحرية الكبرى.

كما شهد المعرض عرض نماذج لعدد من السفن القتالية المخصصة للتصدير، من بينها الفرقاطة Project 11356 NG المجهزة بمنظومات دفاع جوي متعددة القنوات، إضافة إلى كورفيتات Tiger وKarakurt-E وسفينة مكافحة الألغام Project 12701 Alexandrit-E. وحرصت الجهات الروسية على إبراز قدرة هذه السفن على العمل ضمن بيئة قتالية شبكية ودمجها مع الأنظمة الروبوتية البحرية الحديثة، في إشارة واضحة إلى أن مستقبل الأساطيل البحرية لن يعتمد فقط على السفن التقليدية بل على تكاملها مع الأنظمة غير المأهولة.

ومن أبرز الملاحظات التي خرج بها المراقبون من المعرض أن الصناعة البحرية الروسية باتت تنظر إلى الحرب البحرية من زاوية مختلفة مقارنة بما كان سائداً قبل سنوات قليلة. فبدلاً من التركيز الحصري على السفن الكبيرة والغواصات الاستراتيجية، أصبحت مفاهيم مثل "الأسطول الموزع" و"الحرب البحرية الروبوتية" و"العمليات الذاتية" جزءاً أساسياً من الخطط المستقبلية. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لتأثير الزوارق الانتحارية غير المأهولة والطائرات المسيّرة البحرية التي أثبتت فعاليتها في عدد من النزاعات الحديثة.

كما خصص المعرض مساحة واسعة لمناقشة مستقبل الروبوتات البحرية والتقنيات غير المأهولة من خلال سلسلة من الندوات والمؤتمرات المتخصصة التي تناولت تطوير المركبات البحرية الذاتية، ووسائل مكافحة الأنظمة غير المأهولة المعادية، ودمج الذكاء الاصطناعي في العمليات البحرية. ويعكس هذا الزخم حجم الاهتمام المؤسسي الروسي ببناء قدرات جديدة في هذا القطاع الذي بات أحد أسرع المجالات نمواً داخل الصناعات الدفاعية العالمية.

شكل المعرض منصة مهمة لعرض القدرات الروسية أمام الأسواق الخارجية، خاصة في ظل سعي موسكو إلى تعزيز صادراتها الدفاعية البحرية. وقد ركزت الشركات الروسية على تقديم حلول مرنة تسمح بنقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، إلى جانب الترويج لمنظومات بحرية مصممة لتلبية احتياجات الدول التي تسعى إلى تحديث أساطيلها دون تحمل تكاليف البرامج الغربية الأكثر تعقيداً وارتفاعاً في السعر.

كشف المعرض عن حقيقة مهمة تتمثل في أن البحرية الروسية تنظر إلى العقد المقبل باعتباره مرحلة انتقالية نحو مفهوم جديد للحرب البحرية، يعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والحرب الشبكية. فالتطورات الأخيرة أظهرت أن السفن التقليدية، مهما بلغت قوتها، أصبحت أكثر عرضة للتهديد من الوسائط الصغيرة والرخيصة وغير المأهولة، وهو ما يدفع القوى البحرية الكبرى إلى إعادة النظر في أولوياتها الاستثمارية.

كما عكس المعرض اتجاهاً عالمياً أوسع نحو دمج الأنظمة المأهولة وغير المأهولة داخل تشكيلات بحرية واحدة. ففي المستقبل القريب، لن تكون السفينة الحربية مجرد منصة مستقلة، بل مركز قيادة لشبكة من الزوارق والغواصات والطائرات غير المأهولة القادرة على توسيع نطاق الاستشعار والاشتباك بصورة غير مسبوقة. وتبدو روسيا، من خلال المشاريع المعروضة في كرونشتادت، عازمة على تأمين موقع لها داخل هذا التحول العالمي.

إن معرض «فليت 2026» لم يكن مجرد مناسبة لاستعراض منتجات جديدة، بل قدم صورة واضحة عن المسار الذي تسعى البحرية الروسية إلى اتباعه خلال السنوات المقبلة. وبينما تواصل موسكو تطوير غواصاتها وسفنها القتالية التقليدية، فإن الرسالة الأبرز التي خرجت من المعرض كانت أن مستقبل القوة البحرية الروسية سيتشكل بدرجة متزايدة حول الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والحرب البحرية الشبكية، وهي المجالات التي ستحدد ملامح المنافسة البحرية الدولية خلال العقود القادمة.