أخبار: فيتنام تبدأ بناء أول فرقاطة محلية متخصصة في مكافحة الغواصات

بدأت فيتنام بناء أكبر وأكثر سفنها الحربية تطورًا التي تصمم وتنتج محليًا حتى الآن، مع بدء تصنيع فرقاطة متعددة المهام متخصصة في الحرب المضادة للغواصات (ASW)، في خطوة تعكس انتقال صناعة بناء السفن العسكرية الفيتنامية إلى تصميم وإنتاج منصات قتالية أكبر وأكثر تعقيدًا.

وجرت مراسم بدء تصنيع هيكل الفرقاطة في 10 أغسطس 2026 داخل Song Thu Shipyard في مدينة دانانغ، التابعة لوزارة الدفاع الفيتنامية، بحضور نائب وزير الدفاع الفيتنامي الفريق أول Pham Hoai Nam وعدد من المسؤولين العسكريين والمدنيين. وتتولى Song Thu Corporation تنفيذ بناء السفينة بالتنسيق مع القوات البحرية الفيتنامية، ضمن برنامج يستهدف تعزيز قدرة البلاد على تطوير وبناء السفن القتالية محليًا.

وتحمل السفينة أهمية خاصة بالنسبة إلى فيتنام لأنها تمثل، وفق البيانات الفيتنامية، أكبر فرقاطة مصممة محليًا تدخل مرحلة البناء حتى الآن، كما أن تصميمها جرى بواسطة مهندسين فيتناميين، بينما من المخطط تطوير أو تجميع الجزء الأكبر من أسلحتها ومعداتها العسكرية داخل البلاد.

ويأتي البرنامج ضمن سياسة فيتنام الرامية إلى بناء صناعة دفاعية أكثر استقلالًا وتقليل الاعتماد على استيراد المنظومات العسكرية، بعدما اعتمدت البحرية الفيتنامية خلال العقود الماضية بدرجة كبيرة على المعدات الروسية، بما في ذلك غواصات Kilo-class وفرقاطات Gepard-class.

وتكتسب القدرة على بناء فرقاطة مخصصة لمهام الحرب المضادة للغواصات أهمية عملياتية بالنسبة إلى البحرية الفيتنامية، التي تعمل في بيئة بحرية تتطلب قدرات متقدمة للمراقبة والكشف تحت سطح البحر. وتمثل الحرب المضادة للغواصات مجالًا شديد التعقيد، إذ تعتمد على التكامل بين السونارات وأنظمة إدارة المعركة والاتصالات والأسلحة المضادة للغواصات، وليس على منصة بحرية مسلحة فقط.

وتشير المعلومات المتاحة عن المشروع إلى أن الفرقاطة ستجمع بين قدرات مكافحة الغواصات والمهام متعددة الأغراض، بما يسمح باستخدامها في نطاق أوسع من العمليات البحرية. وتكشف النماذج المرتبطة بالمشروع عن تصميم يتضمن منظومات استشعار ورادار ومكونات للحرب الإلكترونية، إلى جانب تسليح مخصص للتعامل مع التهديدات الجوية والسطحية وتحت سطح البحر، إلا أن التفاصيل الرسمية الكاملة بشأن مواصفات السفينة وتسليحها لم تُعلن بعد بصورة شاملة.

وتعد هذه النقطة مهمة، إذ إن بعض المواصفات المتداولة حول إزاحة السفينة أو عدد خلايا الإطلاق العمودي أو أنواع الصواريخ والسونارات لا تزال في نطاق التقديرات والتحليلات المفتوحة، ولذلك لا يمكن اعتبارها مواصفات نهائية مؤكدة للفرقاطة في الوقت الحالي.

لكن المؤكد أن المشروع يمثل تحولًا مهمًا في مستوى التعقيد الصناعي الذي تستهدفه فيتنام. فبناء فرقاطة قتالية يتطلب امتلاك قدرات تتجاوز تصنيع الهيكل، لتشمل هندسة أنظمة الدفع والطاقة والاتصالات والاستشعار وإدارة المعركة ودمج الأسلحة، إضافة إلى اختبار المنصة باعتبارها منظومة قتالية متكاملة.

وتشير البيانات الفيتنامية إلى أن المشروع يعتمد بدرجة كبيرة على القدرات المحلية، مع مشاركة قطاعات من الصناعة الدفاعية والبحرية الفيتنامية في أعمال البحث والتصميم والتصنيع. كما تتولى المؤسسات التابعة لقطاع الدفاع التعاون مع البحرية خلال مراحل تنفيذ المشروع، بما يسمح بربط متطلبات المستخدم العسكري بعملية تطوير المنصة منذ مراحلها الأولى.

وتبرز Viettel ضمن المؤسسات الفيتنامية المشاركة في تطوير القدرات الدفاعية المحلية، في إطار توجه أوسع لزيادة مساهمة قطاع التكنولوجيا الفيتنامي في إنتاج الأنظمة العسكرية. ويعني ذلك أن البرنامج لا يتعلق ببناء سفينة فقط، وإنما يمثل اختبارًا لقدرة الصناعة الفيتنامية على دمج الإلكترونيات وأجهزة الاستشعار وأنظمة القيادة والسيطرة ضمن منصة بحرية واحدة.

ومن الناحية البحرية، تمثل الحرب المضادة للغواصات أحد أكثر مجالات القتال البحري اعتمادًا على التكامل بين المستشعرات والمنصات. فالفرقاطة تحتاج إلى اكتشاف الغواصة وتتبعها وتحديد موقعها بصورة مستمرة، ثم تمرير بيانات الهدف إلى منظومة إدارة المعركة لاتخاذ القرار المناسب بشأن الاشتباك.

ولهذا فإن القيمة العملياتية للفرقاطة الجديدة ستتحدد بدرجة كبيرة بقدرات منظومة الاستشعار والاتصال وإدارة المعركة، وليس فقط بقدرة السفينة على حمل الصواريخ أو المدفعية. وإذا تمكنت فيتنام من دمج هذه الأنظمة محليًا بصورة فعالة، فإن المشروع سيمثل تقدمًا نوعيًا في مستوى استقلالية صناعتها البحرية.

وتأتي هذه الخطوة في سياق تحديث مستمر للبحرية الفيتنامية. فقد اعتمدت هانوي خلال السنوات الماضية على مجموعة من المنصات الأجنبية، أبرزها غواصات Kilo-class الروسية وفرقاطات Gepard 3.9، إلى جانب تطويرها المحلي لزوارق الصواريخ وسفن الدورية. وتمنح الخبرة المكتسبة من تشغيل هذه المنصات قاعدة مهمة لتطوير تصميمات محلية أكثر تقدمًا.

وتملك فيتنام بالفعل أربع فرقاطات Gepard 3.9، وهي منصات متعددة المهام تجمع بين الحرب المضادة للسفن والدفاع الجوي ومهام مكافحة الغواصات، ما يجعلها جزءًا مهمًا من الخبرة التشغيلية التي تراكمت لدى البحرية الفيتنامية في تشغيل السفن القتالية الحديثة.

لكن الفرقاطة الجديدة تمثل انتقالًا من مرحلة تشغيل منصات أجنبية إلى مرحلة تطوير منصة قتالية محلية، وهو فارق مهم من الناحية الصناعية. فامتلاك القدرة على التصميم يمنح فيتنام سيطرة أكبر على مواصفات السفينة وإمكانية تعديلها وفق المتطلبات العملياتية المحلية، بدل الاعتماد على تصميم أجنبي ثابت.

كما يمكن أن يسمح ذلك بتطوير عائلة من السفن المستقبلية اعتمادًا على الخبرة المكتسبة من المشروع الأول، سواء عبر إدخال تعديلات على التصميم أو تطوير نسخ أخرى مخصصة للدفاع الجوي أو الحرب السطحية أو الدوريات البحرية.

وتزداد أهمية هذا الاتجاه في ظل البيئة الأمنية البحرية في جنوب شرق آسيا، حيث تتزايد أهمية المراقبة البحرية والحفاظ على الوعي بالمجال البحري، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. وتحتاج فيتنام إلى تطوير قدرات تمكنها من مراقبة مناطقها البحرية والتعامل مع التهديدات المحتملة بصورة مستقلة بدرجة أكبر.

ولا يعني ذلك أن الفرقاطة الجديدة موجهة إلى مهمة محددة ضد دولة بعينها، لكن تطوير منصة متخصصة في الحرب المضادة للغواصات يعكس إدراك البحرية الفيتنامية لأهمية المجال تحت سطح البحر ضمن معادلة الأمن البحري الإقليمي.

وتكتسب هذه القدرة أهمية إضافية بالنسبة إلى فيتنام بسبب امتلاكها أسطولًا من غواصات Kilo-class، ما يوفر للبحرية خبرة مباشرة في العمليات تحت سطح البحر وفي متطلبات اكتشاف وتتبع الغواصات المعادية. كما أن امتلاك غواصات وفرقاطات مضادة للغواصات يسمح ببناء قوة بحرية أكثر توازنًا في مجال الحرب تحت سطح البحر.

ومن الناحية الصناعية، يمثل المشروع أيضًا خطوة نحو تقليل مخاطر الاعتماد على مورد خارجي واحد. فكلما زادت قدرة فيتنام على إنتاج الهياكل والأنظمة الإلكترونية وأجهزة الاستشعار والأسلحة محليًا، أصبحت أكثر قدرة على التحكم في دورة حياة السفن وصيانتها وتحديثها، وأقل تعرضًا لقيود التوريد الخارجي.

وتشير المصادر الفيتنامية إلى أن الهدف الاستراتيجي الأوسع يتمثل في بناء صناعة دفاعية مستقلة وذاتية الاعتماد وحديثة ومتعددة الاستخدامات، وهو ما يجعل برنامج الفرقاطة الجديدة جزءًا من سياسة صناعية دفاعية طويلة المدى وليس مشروعًا منفصلًا لبناء سفينة واحدة.

ومن المتوقع أن يمثل المشروع كذلك فرصة لتطوير الكفاءات الهندسية الفيتنامية في تصميم السفن القتالية ودمج الأنظمة. وهذه الخبرة قد تكون ذات قيمة أكبر من السفينة نفسها على المدى الطويل، لأنها توفر قاعدة بشرية وتقنية يمكن استخدامها في برامج بحرية لاحقة.

وتأتي هذه الخطوة أيضًا في وقت تسعى فيه فيتنام إلى تنويع مصادر تسليحها وتطوير صناعتها الدفاعية المحلية، بالتوازي مع استمرار التعاون العسكري مع عدد من الشركاء الدوليين. ومن ثم فإن تعزيز التصنيع المحلي لا يعني بالضرورة التخلي عن الاستيراد، وإنما يمنح هانوي قدرة أكبر على اختيار المعدات الأجنبية التي تحتاج إليها مع الاحتفاظ بقدرات محلية في المجالات الأساسية.

ومن المقرر أن تستمر عملية بناء الفرقاطة داخل Song Thu Shipyard، التي تمتلك خبرة طويلة في بناء السفن العسكرية وتعد من أبرز منشآت بناء السفن التابعة لقطاع الدفاع الفيتنامي. ويمثل المشروع بالنسبة إلى الحوض اختبارًا لقدراته على الانتقال إلى منصات قتالية أكبر وأكثر تعقيدًا.

وفي حال نجاح البرنامج، يمكن أن يشكل نقطة تحول في صناعة بناء السفن العسكرية الفيتنامية، خصوصًا إذا تمكنت البلاد من الانتقال لاحقًا إلى إنتاج سفن إضافية اعتمادًا على التصميم المحلي وتوسيع نسبة المكونات والأنظمة المصنعة داخل البلاد.

وبذلك، لا يمثل بدء بناء الفرقاطة الجديدة مجرد إضافة سفينة إلى الأسطول الفيتنامي، وإنما خطوة في مسار أوسع لتطوير قدرة بحرية محلية على تصميم وبناء ودمج السفن القتالية. وتجمع المنصة الجديدة بين متطلبات الحرب المضادة للغواصات والطموح الصناعي الفيتنامي، في وقت تعمل فيه هانوي على تقليل اعتمادها التاريخي على المعدات الأجنبية وبناء قاعدة دفاعية أكثر استقلالية.

وسيكون الاختبار الحقيقي للمشروع عند انتقاله من مرحلة التصميم والبناء إلى التجارب البحرية، حيث ستظهر قدرة الصناعة الفيتنامية على دمج المستشعرات وأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والأسلحة ضمن منصة واحدة قادرة على تنفيذ مهام الحرب المضادة للغواصات في بيئة عملياتية حقيقية. أما في المرحلة الحالية، فإن بدء بناء السفينة يمثل بحد ذاته خطوة مهمة لفيتنام نحو امتلاك قدرة محلية متقدمة في تصميم وبناء السفن القتالية.