أعلنت الحكومة الكندية رسميًا اختيار شركة ThyssenKrupp Marine Systems (TKMS) الألمانية كمورد مفضل لبرنامج الغواصات الكندي الجديد Canadian Patrol Submarine Project (CPSP)، في خطوة تمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في مستقبل القوة البحرية الكندية تحت سطح البحر. وجاء الإعلان على لسان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال فعالية أقيمت في قاعدة Canadian Forces Base Halifax، حيث أكد أن أوتاوا ستبدأ مفاوضات رسمية مع الشركة الألمانية بشأن اقتناء ما يصل إلى 12 غواصة من فئة Type 212CD، ضمن مشروع تبلغ قيمته عدة مليارات من الدولارات ويهدف إلى استبدال أسطول غواصات Victoria-class الحالي.
ويمثل القرار أحد أهم برامج التحديث العسكري التي أطلقتها كندا خلال العقود الأخيرة، إذ تسعى البحرية الملكية الكندية إلى الانتقال من أسطول محدود يتكون من أربع غواصات فقط إلى قوة بحرية تحت سطح البحر قد تصل إلى ثلاثة أضعاف حجمها الحالي. كما يعكس القرار إدراك أوتاوا للتغيرات المتسارعة في البيئة الأمنية البحرية، خاصة مع تصاعد أهمية المحيط المتجمد الشمالي وتزايد المنافسة الدولية في المناطق القطبية وخطوط الملاحة الاستراتيجية.
ووفقًا للخطة المعلنة، ستتفاوض كندا مع TKMS بشأن شراء ما يصل إلى 12 غواصة من طراز Type 212CD، وهي النسخة الأحدث من عائلة الغواصات الألمانية المعروفة Type 212، والتي يجري تطويرها وإنتاجها حاليًا لصالح ألمانيا والنرويج. ويمنح هذا الأمر كندا ميزة مهمة تتمثل في الانضمام إلى برنامج إنتاج قائم بالفعل، بما يقلل المخاطر الفنية المرتبطة بتطوير منصة جديدة من الصفر، ويسمح بالحصول على مواقع إنتاج مبكرة تضمن تسليم الغواصات قبل خروج الأسطول الحالي من الخدمة.
وتستهدف أوتاوا من خلال البرنامج إنشاء قدرة بحرية دائمة تحت سطح البحر عبر ثلاثة مسارح استراتيجية رئيسية هي المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ والمحيط المتجمد الشمالي. ويعكس هذا التوجه تحولًا واضحًا في العقيدة البحرية الكندية، إذ لم يعد الهدف مقتصرًا على حماية السواحل والمياه الإقليمية، بل بات يشمل تأمين المصالح الكندية في مناطق واسعة من العالم والمشاركة بصورة أكثر فاعلية في عمليات الردع والمراقبة البحرية ضمن منظومة حلف شمال الأطلسي الناتو.
وتتميز غواصات Type 212CD بمجموعة من القدرات التقنية المتقدمة التي جعلتها من أبرز مشاريع الغواصات التقليدية في العالم. وتعتمد الغواصة على منظومة دفع مستقلة عن الهواء Air Independent Propulsion (AIP) باستخدام خلايا الوقود، وهو ما يسمح لها بالبقاء تحت سطح البحر لفترات طويلة دون الحاجة إلى الصعود المتكرر لإعادة شحن البطاريات. كما تتميز ببصمة صوتية ومغناطيسية منخفضة للغاية، الأمر الذي يزيد من صعوبة اكتشافها بواسطة أنظمة الحرب المضادة للغواصات ويعزز فعاليتها في تنفيذ مهام الاستطلاع والردع وجمع المعلومات الاستخباراتية.
كما تتمتع الغواصة بتصميم حديث يركز على التخفي والعمل في البيئات البحرية المعقدة، إلى جانب تجهيزها بمنظومات استشعار وقيادة وسيطرة متطورة وقدرات متقدمة على إطلاق الطوربيدات والأسلحة البحرية الحديثة. ويُنظر إلى فئة Type 212CD باعتبارها أحد أكثر مشاريع الغواصات التقليدية تطورًا في أوروبا، خاصة أنها صممت لتلبية متطلبات العمليات في شمال الأطلسي والبحار الشمالية والبيئات القطبية، وهي ظروف تتوافق إلى حد كبير مع المتطلبات التشغيلية الكندية.
وبحسب الجدول الزمني الحالي الذي تشرف عليه Defence Investment Agency، تستهدف الحكومة الكندية استكمال المفاوضات التعاقدية مع TKMS بحلول نهاية عام 2027. وفي حال نجاح المفاوضات، فمن المتوقع تسليم أول أربع غواصات بحلول عام 2034، وهو توقيت يتزامن مع بدء تقاعد غواصات Victoria-class التي يتوقع خروجها من الخدمة خلال منتصف إلى أواخر ثلاثينيات القرن الحالي.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى وضع الأسطول الحالي للبحرية الكندية، إذ تتكون قوة الغواصات اليوم من أربع غواصات من فئة Victoria-class كانت كندا قد حصلت عليها مستعملة من المملكة المتحدة بين عامي 1998 و2000. وعلى الرغم من خضوع هذه الغواصات لبرامج تحديث متتالية، فإن تقدمها في العمر وارتفاع تكاليف صيانتها دفع الحكومة الكندية إلى البحث عن بديل طويل الأمد قادر على تلبية المتطلبات العملياتية المستقبلية.
وفي الوقت ذاته، لم تغلق أوتاوا الباب أمام البدائل الأخرى بصورة كاملة، إذ تشير المعلومات الرسمية إلى أن غواصة KSS-III Batch II التي تطورها شركة Hanwha Ocean الكورية الجنوبية لا تزال تمثل الخيار الاحتياطي في حال تعثر المفاوضات مع TKMS وعدم التوصل إلى اتفاق نهائي. ومع ذلك، فإن اختيار الشركة الألمانية كمورد مفضل يمنحها أفضلية واضحة في السباق نحو الحصول على العقد النهائي.
يعكس القرار توجه حكومة مارك كارني نحو تعميق التعاون الدفاعي مع الحلفاء الأوروبيين داخل حلف الناتو، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها الساحة الدولية. كما يأتي الإعلان في وقت تسعى فيه الدول الأعضاء في الحلف إلى زيادة إنفاقها الدفاعي وتعزيز جاهزيتها العسكرية في مواجهة التحديات الأمنية المتنامية في أوروبا وشمال الأطلسي.
يمثل اختيار TKMS أكثر من مجرد قرار تسليحي، إذ يعكس إدراك كندا أن المنافسة الدولية في القطب الشمالي ستتطلب خلال العقود المقبلة وجود قوة غواصات حديثة قادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والردع والمراقبة في واحدة من أكثر المناطق حساسية على مستوى الأمن العالمي. كما أن امتلاك ما يصل إلى 12 غواصة حديثة سيمنح البحرية الكندية قدرة أكبر على الحفاظ على وجود دائم في أكثر من مسرح عمليات في الوقت نفسه، وهو أمر لم يكن متاحًا بالأسطول الحالي.
اختيار TKMS يمثل دفعة كبيرة للصناعة البحرية العسكرية الألمانية، ويعزز مكانة Type 212CD كأحد أنجح مشاريع الغواصات التقليدية في السوق الدولية. كما يفتح الباب أمام عقود دعم وصيانة وتحديث طويلة الأجل تمتد لعقود مقبلة، ويؤكد تنامي الطلب العالمي على الغواصات المزودة بمنظومات AIP باعتبارها خيارًا يجمع بين الكفاءة العملياتية العالية والتكلفة الأقل مقارنة بالغواصات النووية.
إن اختيار كندا لشركة ThyssenKrupp Marine Systems كمورد مفضل لبرنامج الغواصات الجديد يمثل نقطة تحول في تاريخ البحرية الملكية الكندية، ويؤسس لمرحلة جديدة من القدرات البحرية تحت سطح البحر. كما يعكس توجه أوتاوا نحو بناء قوة غواصات حديثة قادرة على العمل في الأطلسي والهادئ والقطب الشمالي، مع تعزيز شراكاتها الدفاعية مع أوروبا وضمان استمرار حضورها العسكري في واحدة من أكثر البيئات البحرية تنافسًا خلال العقود القادمة.