في واحدة من أكثر الخطوات الدفاعية جرأة منذ عقود، أعلنت الحكومة الإستونية في منتصف يناير 2026 عن البدء الفعلي في إنشاء أول مصنع وطني للمتفجرات العسكرية والقذائف، في خطوة تهدف إلى كسر الاعتماد الكلي على سلاسل التوريد العالمية التي أثبتت هشاشتها في الأزمات الأخيرة. هذا المشروع، الذي تبلغ استثماراته الأولية ملايين اليورو، لا يعد مجرد منشأة صناعية، بل هو ركيزة أساسية في استراتيجية "المرونة الوطنية" التي تتبناها دول البلطيق لمواجهة البيئة الأمنية المتوترة في شرق أوروبا.
يقع المصنع الجديد في منطقة استراتيجية مؤمنة، وقد تم تصميمه ليكون منشأة متكاملة تعمل بمعايير حلف ناتو العسكرية. الميزة التنافسية لهذا المصنع تكمن في قدرته على إنتاج مادة TNT عالية الجودة، بالإضافة إلى تركيبات متفجرة متطورة تدخل في صناعة قذائف المدفعية عيار 155 ملم، وهي الذخيرة التي أصبحت "عملة الحرب" في النزاعات الحديثة.
وتشير التفاصيل التقنية إلى أن المصنع سيستخدم خطوط إنتاج مؤتمتة بالكامل بالتعاون مع شركات دفاعية أوروبية رائدة، لضمان إنتاج كميات ضخمة في وقت قياسي. وبحسب وزارة الدفاع الإستونية، فإن الهدف ليس فقط تلبية احتياجات "قوات الدفاع الإستونية" (Estonian Defence Forces - EDF)، بل تحويل إستونيا إلى مركز تصدير إقليمي لدول البلطيق المجاورة (لاتفيا وليتوانيا) وفنلندا. ويشمل المشروع أيضاً إنشاء مختبرات للأبحاث والتطوير للعمل على إنتاج "متفجرات مستقرة" (Insensitive Munitions) التي تتميز بالأمان العالي عند التخزين والنقل، مما يضع إستونيا في طليعة التكنولوجيا الكيميائية العسكرية.
تمثل هذه الخطوة دلالة استراتيجية بالغة الأهمية؛ فإستونيا، التي تقع على خط التماس المباشر مع روسيا، تدرك أن التفوق العسكري لا يعتمد فقط على امتلاك الأسلحة، بل على "استمرارية الإمداد" (Sustainability of Supply). إن وجود مصنع للمتفجرات على أرض إستونية يعني أن الدولة أصبحت قادرة على تأمين مخزونها من الذخائر بشكل مستقل، مما يقلل من مخاطر "الحصار اللوجستي" الذي قد يفرضه خصومها في حالات النزاع المسلح.
استراتيجياً، تساهم هذه المنشأة في تعزيز مفهوم "الدفاع الشامل" الذي تتبناه دول البلطيق. فمن خلال امتلاك القدرة الصناعية الأساسية، ترسل تالين رسالة ردع واضحة مفادها أن تكلفة أي اعتداء ستكون باهظة وطويلة الأمد. كما أن هذا التحرك يعزز من وزن إستونيا داخل حلف ناتو، حيث تتحول من دولة "مستهلكة للأمن" إلى دولة "منتجة للموارد الدفاعية الحيوية"، مما يساهم في تخفيف الضغط على المصانع الألمانية والفرنسية التي تعاني من تراكم الطلبات.