تواصل بولندا تسريع عملية إعادة بناء قواتها البرية عبر التوسع في برنامج Borsuk الوطني، بعدما وقعت وكالة التسلح البولندية عقدًا جديدًا لتوريد 146 عربة مشاة قتالية إضافية من هذا الطراز، في خطوة تعزز أحد أكبر برامج التحديث المدرع الجارية حاليًا داخل أوروبا وتؤكد إصرار وارسو على استبدال أسطولها السوفيتي القديم بمنظومات محلية أكثر تطورًا وقدرة على مواكبة متطلبات الحرب الحديثة.
ويأتي العقد الجديد بعد أشهر فقط من دخول أولى عربات Borsuk إلى الخدمة الفعلية في الجيش البولندي، حيث تسلمت القوات المسلحة أول دفعة إنتاجية تضم 15 عربة في ديسمبر 2025 ضمن عقد سابق وقعته الحكومة البولندية مع مجموعة الصناعات الدفاعية البولندية PGZ وشركة Huta Stalowa Wola (HSW) بقيمة بلغت 6.57 مليار زلوتي لتوريد 111 عربة خلال الفترة الممتدة حتى عام 2029.
وبموجب الاتفاق الجديد، سيرتفع إجمالي العربات المتعاقد عليها إلى 257 عربة Borsuk، ما يكفي لتجهيز أربع كتائب مشاة ميكانيكية كاملة إلى جانب العربات المخصصة للتدريب والاحتياط. ويشكل ذلك مرحلة جديدة ضمن خطة أوسع بكثير تستهدف بناء أسطول يتجاوز ألف عربة من مختلف النسخ خلال السنوات المقبلة.
ويُعد برنامج Borsuk أحد أهم مشاريع الصناعات الدفاعية البولندية منذ انهيار حلف وارسو، إذ تمثل العربة أول منصة مجنزرة حديثة يجري تطويرها وإنتاجها محليًا بالكامل لتلبية احتياجات الجيش البولندي. وقد صُممت أساسًا لتحل محل عربات BMP-1 السوفيتية التي لا تزال تشكل جزءًا مهمًا من الوحدات الميكانيكية البولندية رغم تقادمها الكبير وعدم ملاءمتها لمتطلبات ساحات القتال الحديثة.
وتتميز Borsuk بقدرتها على الجمع بين الحركية العالية والحماية المعززة والقوة النارية المتطورة. وتزن العربة نحو 28 طنًا، وتستوعب طاقمًا من ثلاثة أفراد إضافة إلى ستة جنود مشاة. كما تحتفظ بقدرة برمائية كاملة تسمح لها بعبور الأنهار والعوائق المائية دون تجهيزات إضافية، وهي ميزة تحظى بأهمية خاصة في البيئة الجغرافية البولندية التي تتسم بكثرة المجاري المائية والأنهار.
أما التسليح فيعتمد على برج ZSSW-30 غير المأهول، المزود بمدفع أوتوماتيكي Mk44S Bushmaster عيار 30 ملم ورشاش متحد المحور عيار 7.62 ملم، إضافة إلى صواريخ Spike LR المضادة للدروع القادرة على الاشتباك مع الأهداف المدرعة على مسافات تصل إلى أكثر من خمسة كيلومترات. ويمنح هذا المزيج العربة قدرة على التعامل مع مختلف التهديدات البرية، من عربات المشاة القتالية إلى الدبابات والتحصينات الميدانية.
وتأتي هذه الصفقة ضمن موجة غير مسبوقة من الإنفاق العسكري البولندي. فوزارة الحرب البولندية وقعت في نهاية مايو مجموعة عقود ضخمة تجاوزت قيمتها الإجمالية 60 مليار زلوتي شملت عربات Borsuk ومنظومات المدفعية الذاتية الحركة Krab ومركبات دعم وتشغيل لمنظومة Homar-K ومدافع الهاون الذاتية الحركة Rak، في إطار استراتيجية شاملة لرفع جاهزية القوات المسلحة وتعزيز الردع على الجناح الشرقي لحلف الناتو.
ويعكس التوسع في برنامج Borsuk الدروس التي استخلصتها وارسو من الحرب الروسية الأوكرانية. فقد أظهرت المعارك واسعة النطاق أهمية امتلاك أعداد كبيرة من عربات المشاة القتالية الحديثة القادرة على مرافقة الدبابات وتوفير الحماية والنقل للقوات المهاجمة والمدافعة في آن واحد. كما كشفت الحرب عن المخاطر المرتبطة بالاعتماد على المنصات السوفيتية القديمة التي باتت تواجه صعوبات متزايدة في البقاء داخل بيئات القتال المشبعة بالطائرات المسيّرة والذخائر الموجهة والأسلحة المضادة للدروع الحديثة.
يمثل البرنامج قصة نجاح مهمة لقطاع الصناعات الدفاعية البولندي. فبدلًا من الاعتماد على شراء عربة أجنبية جاهزة، فضلت وارسو الاستثمار في تطوير منصة وطنية تمنحها استقلالية أكبر في الإنتاج والدعم اللوجستي والتطوير المستقبلي. كما يساهم المشروع في الحفاظ على آلاف الوظائف داخل القطاع الصناعي الدفاعي البولندي وتعزيز القدرات التكنولوجية المحلية في مجالات المدرعات وأنظمة التحكم بالنيران والإلكترونيات العسكرية.
ويكتسب البرنامج أهمية إضافية بالنظر إلى حجم الطموحات البولندية المستقبلية. فالتقديرات الرسمية الحالية تتحدث عن حاجة الجيش إلى 1,014 عربة Borsuk في نسخة عربة المشاة القتالية، إضافة إلى 386 عربة أخرى في نسخ متخصصة تشمل القيادة والسيطرة والاستطلاع والدعم الفني والهندسي، ما يجعل المشروع أحد أكبر برامج العربات المدرعة الجارية حاليًا في أوروبا وربما داخل حلف الناتو بأكمله.
إن توسع إنتاج Borsuk يعكس تحول بولندا إلى قوة عسكرية صناعية صاعدة داخل أوروبا. فوارسو لم تعد تكتفي بدور المستورد الكبير للأسلحة، بل تسعى تدريجيًا إلى بناء قاعدة صناعية قادرة على تطوير وإنتاج المنظومات الرئيسية محليًا، سواء في مجال المدرعات أو المدفعية أو الذخائر أو الأنظمة الصاروخية. وتنسجم هذه السياسة مع التوجه الأوروبي العام الرامي إلى تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين في ظل التحديات الأمنية المتزايدة.
لا يمثل العقد الجديد لتوريد 146 عربة Borsuk مجرد زيادة عددية في أسطول القوات البرية البولندية، بل يشكل خطوة إضافية في مشروع طويل المدى لإعادة تشكيل الجيش البولندي وفق معايير الحرب الحديثة. كما يؤكد أن بولندا ماضية في بناء واحدة من أقوى القوات البرية الأوروبية، مستندة إلى مزيج من التوسع الكمي والتحديث النوعي وتطوير قاعدة صناعية دفاعية وطنية قادرة على دعم هذا الطموح لعقود مقبلة.