في خطوة تؤكد التحول الجذري في العلاقة بين وادي السيليكون والمؤسسة العسكرية الأمريكية، دخلت وزارة الحرب الأمريكية في مفاوضات متقدمة ومكثفة مع شركة Google لدمج نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً، Gemini AI، ضمن البنية التحتية المعلوماتية السرية للجيش. لا يمثل هذا التعاون مجرد صفقة تجارية، بل هو إعلان عن دخول "الذكاء الاصطناعي التوليدي" إلى قلب مراكز اتخاذ القرار الاستراتيجي والعقيدة القتالية للولايات المتحدة، في وقت يتسارع فيه السباق العالمي نحو الهيمنة التكنولوجية في الميادين العسكرية.
بدأ المسار الزمني لهذا التعاون في تصاعد مستمر منذ مطلع عام 2026. ففي مارس 2026، أعلن وكيل وزارة الحرب للأبحاث والهندسة، عن بدء تشغيل "وكلاء ذكاء اصطناعي" (AI Agents) من طراز Gemini عبر الشبكات غير المصنفة (Unclassified) لخدمة أكثر من 3 ملايين موظف في وزارة الحرب. ومع حلول منتصف أبريل 2026، انتقلت المفاوضات إلى مستوى أعمق وأكثر حساسية، حيث تركزت على:
- تكامل الأنظمة السرية: تسعى Google لتمكين نماذج Gemini من العمل داخل البيئات السحابية عالية السرية التابعة للبنتاجون، مما يتطلب دمج وحدات المعالجة التنسرية (Tensor Processing Units - TPUs) المخصصة من Google لأول مرة داخل مراكز البيانات العسكرية المغلقة.
- الخدمات اللوجستية والعملياتية: تشمل الصفقة استخدام Gemini في أتمتة المهام المعقدة، بدءاً من تحليل بيانات الاستخبارات الضخمة وتوليد سيناريوهات المحاكاة الاستراتيجية، وصولاً إلى إدارة الميزانيات وتلخيص التقارير الميدانية الحساسة.
- البنية التحتية الهجينة: سيعتمد البنتاجون على Google Distributed Cloud لتوفير قدرات حوسبة فائقة السرعة تضمن تشغيل النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) في الوقت الفعلي، مما يعزز سرعة اتخاذ القرار في ساحات المعركة الرقمية.
تمثل هذه الصفقة عودة قوية لشركة Google إلى الساحة الدفاعية بعد سنوات من التردد الذي أعقب احتجاجات الموظفين على مشروع Project Maven في عام 2018. واليوم، يبدو أن استراتيجية الشركة قد تغيرت جذرياً، حيث تهدف وحدة Google Public Sector إلى رفع قيمة عقودها الحكومية لتصل إلى 6 مليارات دولار بحلول عام 2027.
يأتي هذا التقارب في ظل تعثر المنافسين؛ حيث واجهت شركة Anthropic أزمات مع البنتاجون بسبب قيود "الأمان" التي فرضتها على استخدام نماذجها في العمليات العسكرية، مما أدى لتصنيفها "كمخاطر على سلاسل الإمداد" من قبل وزارة الحرب الأمريكية. وفي المقابل، قدمت Google مرونة أكبر، مع الإبقاء على "خطوط حمراء" أخلاقية تمنع استخدام تقنياتها في المراقبة الجماعية المحلية أو الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل التي تفتقر للإشراف البشري.
في الحروب الحديثة، لم يعد التفوق يقاس فقط بعدد الدبابات أو الطائرات، بل بالقدرة على معالجة البيانات وتحويلها إلى أفعال. دمج Gemini يمنح القادة العسكريين قدرة على معالجة تدفقات هائلة من صور الأقمار الصناعية، وإشارات الرادار، والاتصالات في أجزاء من الثانية، مما يقلص "دورة القرار" (OODA Loop) إلى حدود غير مسبوقة، ويمنح الولايات المتحدة ميزة تكتيكية حاسمة ضد الخصوم الذين يعتمدون على الأنظمة التقليدية.
تنسجم هذه الصفقة مع استراتيجية "تسريع الذكاء الاصطناعي" التي أطلقها وزير الحرب. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل القوات المسلحة الأمريكية إلى قوة قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي في كافة النطاقات (البري، البحري، الجوي، والسيبراني)، وهو ما يضع Google كشريك تقني لا غنى عنه في بناء "الدماغ الرقمي" للجيش الأمريكي.
تؤدي هذه الشراكة إلى إعادة رسم خارطة المنافسة بين عمالقة التكنولوجيا. فبينما كانت Microsoft و Amazon تسيطران على العقود السحابية العسكرية عبر مشروع JWCC، فإن دخول Google بنماذج Gemini ورقائق TPU يكسر هذا الاحتكار ويفرض معايير تقنية جديدة. كما أن هذا التوجه سيجبر شركات الدفاع التقليدية مثل Lockheed Martin و Raytheon على إعادة تصميم أنظمتها لتكون متوافقة مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، مما يخلق سوقاً عالمياً جديداً للأسلحة "الذكية والمدفوعة برمجياً".
على الرغم من القيود التي وضعتها Google في العقد بشأن الأسلحة ذاتية التشغيل، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات السرية يثير تساؤلات دولية حول "سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي". استراتيجياً، يرسل البنتاجون رسالة ردع واضحة للصين وروسيا مفادها أن التفوق التكنولوجي الأمريكي لم يعد يقتصر على العتاد الصلب، بل انتقل إلى البرمجيات القادرة على التنبؤ بالتهديدات قبل وقوعها.