في استجابة حاسمة للتهديدات المتصاعدة في العالم الرقمي، أعلنت مجموعتا الدفاع الرائدتان، Indra الإسبانية و Leonardo الإيطالية، عن توقيع اتفاقية تعاون استراتيجي غير مسبوقة تهدف إلى دمج قدراتهما في مجال الأمن السيبراني والدفاع الرقمي. تأتي هذه الشراكة في وقت حرج يشهد فيه المسرح العالمي تحولاً نحو "الحروب الهجينة"، حيث أصبحت الشبكات المعلوماتية لا تقل أهمية عن ساحات القتال التقليدية. تهدف الاتفاقية إلى تطوير جيل جديد من منصات الاستجابة للتهديدات السيبرانية المتقدمة (Advanced Cyber Threat Response)، وتأمين البنى التحتية الحيوية للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (NATO).
تجمع هذه الصفقة بين اثنتين من كبرى شركات الدفاع والتكنولوجيا في القارة العجوز. فمن جهة، تقدم Indra خبرتها الواسعة في مجال الرادارات، وأنظمة إدارة الحركة الجوية، وحلول الاستخبارات الإلكترونية. ومن جهة أخرى، تساهم Leonardo ببراعتها في مجال الفضاء، والإلكترونيات الدفاعية، والمنصات السيبرانية السيادية.
سيركز التعاون على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة قادرة على التنبؤ بالهجمات السيبرانية قبل وقوعها، وتطوير برمجيات تشفير لا تخرقها الحواسيب الكمومية (Post-Quantum Cryptography). كما تهدف الشركات إلى تقديم حلول موحدة لـ "مراكز العمليات الأمنية" (Security Operations Centers - SOC) التي تخدم وزارات الدفاع والقطاعات المالية واللوجستية الكبرى، مع ضمان أن تكون كافة التقنيات مطورة داخل أوروبا لضمان "الاستقلال التقني" (Technological Sovereignty).
تأتي هذه الصفقة بالتزامن مع تزايد وتيرة الهجمات السيبرانية المنظمة التي تستهدف سلاسل التوريد الدفاعية وأنظمة الطاقة. وقد صرح كبار المسؤولين في Indra و Leonardo بأن هذا التحالف ليس مجرد اتفاق تجاري، بل هو محاولة لخلق "درع سيبراني أوروبي" موحد قادر على الصمود أمام الهجمات المدعومة من دول أو منظمات احترافية، مما يقلل الاعتماد على الحلول التكنولوجية القادمة من خارج القارة.
تمثل هذه الشراكة نقطة تحول في العقيدة الأمنية الأوروبية، ولها أبعاد استراتيجية عميقة:
أولاً: بناء الكتلة الدفاعية الأوروبية الموحدة
لطالما نادى القادة الأوروبيون بضرورة وجود دفاع "أوروبي الهوية". إن تعاون Indra و Leonardo يجسد هذا التوجه بعيداً عن الشعارات؛ فهو يخلق معياراً تكنولوجياً مشتركاً لدول جنوب أوروبا (إسبانيا وإيطاليا)، مما يسهل عمليات "العمل البيني" (Interoperability) بين جيوش القارة. عندما تستخدم القوات الجوية أو البحرية في عدة دول نفس البروتوكولات السيبرانية، تصبح الاستجابة للأزمات أسرع وأكثر تناغماً.
ثانياً: التحول نحو "السيادة الرقمية"
في عالم يعتمد فيه السلاح على البيانات (مثل طائرات Eurofighter Typhoon أو فرقاطات FREMM)، فإن من يسيطر على "الكود" يسيطر على الميدان. هذه الصفقة تضمن ألا تظل الثغرات الرقمية في الأنظمة الدفاعية الأوروبية تحت رحمة التحديثات البرمجية الأمريكية أو التجسس الآسيوي. إنها خطوة لاستعادة السيطرة على "العمود الفقري" للمعلوماتية العسكرية.
ثالثاً: الردع عبر المرونة الرقمية
في الاستراتيجية الحديثة، الردع لا يعني فقط القدرة على الهجوم، بل القدرة على امتصاص الضربة والاستمرار في العمل (Cyber Resilience). من خلال دمج تقنيات Indra و Leonardo، تصبح البنية التحتية للدولتين أكثر قدرة على تحمل هجمات تعطيل الخدمة أو اختراق شبكات القيادة والسيطرة، مما يرفع كلفة أي مغامرة عدائية ضد هذه الدول في الفضاء الافتراضي.
لسنوات، سيطرت شركات التكنولوجيا الأمريكية على سوق الأمن السيبراني العالمي. دخول تحالف بهذا الحجم (دفاعي-تكنولوجي) يقدم حلولاً "عسكرية المعايير" سيهدد حصة الشركات الأمريكية الكبرى في المناقصات الحكومية الأوروبية والشرق أوسطية، حيث تفضل الكثير من الدول حلولاً دفاعية متكاملة تأتي من شركات تفهم لغة العسكر وليس فقط لغة البرمجيات.
ستجبر هذه الصفقة المنافسين مثل Thales الفرنسية و BAE Systems البريطانية على تسريع وتيرة اندماجاتهم أو تحالفاتهم السيبرانية. لم يعد كافياً أن تصنع شركة الدفاع طائرات أو دبابات؛ بل يجب أن تمتلك "الدرع الرقمي" الذي يحمي تلك المنصات. هذا سيعيد صياغة نموذج العمل في سوق السلاح ليصبح "البرمجيات كخدمة" (SaaS) جزءاً أصيلاً من صفقات التسليح الكبرى.
تؤكد هذه الشراكة على ترسيخ مفهوم "الثقة التكنولوجية". في المستقبل، قد تضع الدول شروطاً قاسية في مناقصات الاتصالات والدفاع تمنع الشركات التي لا تمتلك تحالفات سيبرانية قوية وذات جذور سيادية من الدخول في المشاريع الحساسة. وهذا سيؤدي إلى تشرذم السوق العالمي إلى كتل تكنولوجية "موثوقة" بناءً على التحالفات السياسية والعسكرية.