في خطوة وصفت بأنها "إعادة بناء الجدار الرقمي"، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (DoD) بالتعاون مع وكالات فيدرالية، عن البدء في تنفيذ استراتيجية شاملة لتحديث شبكة الرادارات في المجال الجوي الوطني (National Airspace System - NAS). هذه الخطوة، التي تأتي في مستهل عام 2026، لا تستهدف فقط سد الثغرات الأمنية التقليدية، بل تسعى لتأسيس نظام رقابة كلي القدرة قادر على رصد التهديدات التي كان يُعتقد سابقاً أنها "غير قابلة للكشف".
تفاصيل المشروع: من الرصد التقليدي إلى "السيادة الرقمية"
تتمحور الخطة الأمريكية حول استبدال الأنظمة المتقادمة بمنظومات رادار من الجيل الجديد تعتمد على تقنية مصفوفة المسح الإلكتروني النشط (Active Electronically Scanned Array - AESA). وتأتي شركات العملاقة مثل Northrop Grumman و Raytheon Technologies في طليعة المطورين لهذه الحلول التي تهدف إلى معالجة ثلاثة تحديات تقنية كبرى:
- رصد التهديدات منخفضة المقطع الراداري (Low RCS): الهدف الرئيسي هو كشف الطائرات بدون طيار (UAVs) الصغيرة والدرونات الانتحارية التي تتبع أسلوب الطيران المنخفض لتفادي الرادارات التقليدية.
- مواجهة الأسلحة فرط الصوتية (Hypersonic Threats): تهدف الأنظمة الجديدة إلى دمج رادارات المراقبة بعيدة المدى مع شبكات الأقمار الصناعية لتتبع الصواريخ التي تتجاوز سرعتها Mach 5، وهو التحدي الأصعب الذي يواجه الدفاع الجوي المعاصر.
- التكامل مع شبكات الجيل الخامس والسادس: المشروع يعتمد على مفهوم Sensor Fusion (دمج الحساسات)، حيث يتم ربط الرادارات الأرضية بمنصات جوية مثل E-3 Sentry (AWACS) وطائرات F-35 Lightning II لخلق صورة موحدة لأرض المعركة (Common Operational Picture).
دلالات التحصين الداخلي في عصر "الحروب الهجينة"
إن قرار تحديث الرادارات الوطنية الأمريكية يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز البعد التقني الصرف، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- اعتراف بضعف "العمق الاستراتيجي": لسنوات طويلة، اعتمدت الولايات المتحدة على المحيطات كحواجز طبيعية. اليوم، مع ظهور صواريخ الكروز المتطورة والمنصات غير المأهولة عابرة القارات، أدركت واشنطن أن "الداخل" بات جبهة قتال محتملة، مما يستدعي نظام Homeland Defense (دفاع عن الوطن) يتسم باليقظة المطلقة.
- الانتقال نحو "الذكاء الاصطناعي الراداري": الأنظمة الجديدة لن تكتفي بالرصد، بل ستستخدم خوارزميات Machine Learning للتمييز التلقائي بين أسراب الطيور، والطائرات المدنية، والتهديدات المعادية، مما يقلل من زمن الاستجابة (Reaction Time) من دقائق إلى ثوانٍ معدودة.
- تأمين سلاسل التوريد والبيانات: هذا التحديث يهدف أيضاً إلى حماية البيانات الرادارية من الهجمات السيبرانية، حيث يتم تشفير قنوات الاتصال بين الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة (C2 Centres) باستخدام تقنيات الكم (Quantum Encryption) لضمان عدم اختراق "العين الأمريكية".
رغم أن الأمر يتعلق بالمجال الجوي الأمريكي، إلا أن أصداءه ستتردد بقوة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك لعدة أسباب:
- تصدير التكنولوجيا: غالباً ما تكون هذه التحديثات هي "المختبر" لما سيتم تصديره لاحقاً للحلفاء في المنطقة. دول مثل مصر والسعودية والإمارات، التي تواجه تهديدات متزايدة من الطائرات المسيرة والصواريخ الجوالة، ستكون أول الساعين للحصول على نسخ التصدير من هذه الرادارات (مثل رادارات AN/TPS-78 أو GhostEye).
- تغيير عقيدة الدفاع الجوي الإقليمي: النجاح الأمريكي في ربط الرادارات الوطنية بشبكة موحدة سيلهم دول المنطقة لتسريع مشروع "الدفاع الجوي الصاروخي المتكامل" (Integrated Air and Missile Defense - IAMD)، وهو مطلب استراتيجي ملح لربط رادارات دول التعاون الخليجي مع الحلفاء لصد أي هجوم واسع النطاق.
- الضغط على المنافسين: هذا التطور يضع ضغوطاً على الأنظمة الدفاعية الشرقية (الروسية والصينية) لتطوير مضادات تستطيع الإفلات من الرادارات الأمريكية الجديدة، مما يشعل سباق تسلح تكنولوجي في المنطقة، حيث تسعى الدول العربية لموازنة ترسانتها بين الأنظمة الغربية المتطورة والبدائل المتاحة.