في قفزة تكنولوجية تعيد تعريف مفهوم الدفاع الجوي والنقطي في جنوب شرق آسيا، أعلنت وزارة الدفاع السنغافورية (MINDEF) عن توقيع اتفاقية تعاون تقني وصناعي كبرى مع شركة Electro Optic Systems (المعروفة اختصاراً بـ EOS) الأسترالية، تهدف إلى دمج وتوطين أنظمة أسلحة الليزر عالية الطاقة (High-Energy Laser - HEL) ضمن منظومتها الدفاعية المتكاملة. هذه الخطوة لا تمثل مجرد تحديث للترسانة العسكرية، بل تعلن دخول "الدولة المدينة" رسمياً إلى نادي الدول التي تمتلك تقنيات "أسلحة الطاقة الموجهة" (Directed Energy Weapons)، مما يضعها في طليعة الابتكار العسكري العالمي.
تأتي هذه الصفقة، التي تتجاوز قيمتها التقديرية 320 مليون دولار أمريكي، لتلبية الحاجة الملحة لمواجهة التهديدات الناشئة وغير المتماثلة، وعلى رأسها أسراب المسيرات (Drone Swarms) والقذائف الصاروخية التي باتت تشكل تحدياً للمنظومات الدفاعية التقليدية المكلفة. ومن المقرر أن تزود شركة EOS القوات المسلحة السنغافورية بنظام Slinger المطور، وهو نظام دفاعي متقدم يدمج بين قدرات الليزر الفتاكة والأنظمة الكهروبصرية عالية الدقة، مما يسمح باعتراض الأهداف المعادية بسرعة الضوء وبتكلفة زهيدة جداً لكل "طلقة" مقارنة بالصواريخ الاعتراضية التقليدية.
سيعمل الطرفان على تطوير نسخة مخصصة من نظام Titanis للدفاع الجوي التكتيكي، بحيث تتناسب مع الظروف المناخية المدارية لسنغافورة، والتي تتميز بنسب رطوبة عالية قد تؤثر عادةً على تشتت حزم الليزر. وتعتبر تقنيات EOS فريدة من نوعها في هذا المجال، حيث تعتمد على خوارزميات متطورة للتعويض عن الاضطرابات الجوية، مما يضمن وصول حزمة الليزر بتركيز كامل إلى الهدف لتدمير الأنظمة الإلكترونية أو صهر الهياكل المعدنية للمسيرات في غضون ثوانٍ.
كما يتضمن الاتفاق إنشاء مركز تميز للأبحاث وتطوير أسلحة الطاقة الموجهة في سنغافورة، بالتعاون مع وكالة العلوم والتكنولوجيا الدفاعية (DSTA). سيعمل هذا المركز على نقل المعرفة التقنية المتعلقة بإنتاج أجهزة الليزر ذات الحالة الصلبة (Solid-State Lasers) وتطوير برمجيات التتبع الآلي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما يضمن لسنغافورة قدرة ذاتية على صيانة وتطوير هذه الأنظمة محلياً دون الاعتماد الدائم على المصدر.
تعكس هذه الخطوة نضج العقيدة الدفاعية لسنغافورة، التي تدرك أن مساحتها الجغرافية الصغيرة لا تسمح بهامش خطأ في الدفاع الجوي. إن امتلاك أسلحة الليزر من إنتاج Electro Optic Systems يمنح سنغافورة "عمقاً دفاعياً تكنولوجياً" يعوض نقص العمق الجغرافي.
دلالة هذه الصفقة تكمن في قدرتها على تغيير قواعد اللعبة في ما يسمى "الحروب في المنطقة الرمادية" (Gray Zone Warfare). فالمسيرات الرخيصة والمتوفرة بكثرة باتت وسيلة لاستنزاف الدفاعات الجوية غالية الثمن، ولكن مع دخول نظام Slinger ونسخ الليزر من EOS، ستتمكن سنغافورة من تحييد هذه التهديدات بكسر من التكلفة وبمخزون ذخيرة "لا نهائي" طالما توفر مصدر الطاقة الكهربائية. هذا التحول الاستراتيجي يقلل من احتمالية نجاح عمليات الاستنزاف ويجعل تكلفة الهجوم على سنغافورة باهظة وغير مجدية تقنياً.
بالإضافة إلى ذلك، تعزز هذه الصفقة التحالف الأمني المتنامي بين أستراليا وسنغافورة تحت مظلة ترتيبات الدفاع الخماسية (FPDA)، حيث تصبح التكنولوجيا المشتركة جسراً لتعزيز العمل المشترك (Interoperability) بين الجيشين في مواجهة التحديات الأمنية في المحيطين الهندي والهادئ.