أخبار: الجيش الأمريكي يرسخ سيادته الرقمية بنجاح تجارب Tactical SATCOM

أعلنت وزارة الحرب الأمريكية عن نجاح سلسلة من العروض التجريبية الميدانية لنظام الاتصالات الفضائية التكتيكية المعروف باسم Tactical SATCOM. يأتي هذا الإنجاز التقني ليمثل حجر الزاوية في بناء شبكة اتصالات منيعة لا تقبل الاختراق، مصممة خصيصاً للعمل في أكثر البيئات القتالية تعقيداً وعدائية، حيث تخوض القوات المسلحة سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين تدفق البيانات بين مراكز القيادة والوحدات المنتشرة في الخطوط الأمامية.

تم تنفيذ هذه التجارب الحيوية بالتعاون مع عمالقة الصناعات الدفاعية والتكنولوجية، وعلى رأسهم شركة Viasat وشركة Northrop Grumman. وقد ركزت التجارب التي اختتمت في فبراير 2026 على اختبار قدرة الوحدات الميدانية على الحفاظ على اتصال فائق السرعة ومستقر تحت ضغط عمليات التشويش الإلكتروني الكثيف، وهو التحدي الأكبر الذي يواجه القوات البرية والبحرية في الصراعات المستقبلية المحتملة مع أنداد تقنيين.

تأتي هذه العروض كجزء من برنامج Protected Tactical SATCOM-Global (PTS-G)، وهو مشروع طموح تبلغ قيمة عقوده الإطارية مليارات الدولارات، ويهدف إلى نشر كوكبة من الأقمار الصناعية الصغيرة في مدارات متزامنة مع الأرض لضمان تغطية عالمية شاملة. وفي إطار هذا التعاون، قدمت شركة Viasat حلولاً متطورة تعتمد على النطاق المزدوج X/Ka-band، مما يتيح مرونة هائلة في نقل البيانات وتجاوز محاولات اعتراض الإشارة. ومن جهتها، نجحت Northrop Grumman في دمج حمولتها النموذجية PTS Rapid Prototype التي تتميز بقدرات "إلغاء الضوضاء" والتشويش ذاتياً، مما يجعل الاتصال العسكري أشبه بـ "الشبح الرقمي" الذي يصعب رصده أو تعطيله.

لقد تضمنت التجارب الأخيرة محاكاة لسيناريوهات قتالية في مناطق معزولة جغرافياً، حيث تم اختبار أجهزة المودم المتطورة من طراز ViaSat-3 ودمجها مع معالجات الأنظمة المفتوحة التي طورتها Northrop Grumman. والنتيجة كانت مذهلة؛ إذ استطاعت القوات الحفاظ على بث فيديو عالي الدقة وتدفق بيانات استخباراتية في الوقت الفعلي، رغم وجود أجهزة تشويش قوية تحاكي القدرات المعادية.

هذه التجارب تعلن رسمياً انتهاء عصر الاتصالات العسكرية الهشة التي تعتمد على أقمار صناعية ضخمة وبطيئة وباهظة الثمن. استراتيجياً، يمثل نجاح Tactical SATCOM انتقالاً نحو "المرونة الموزعة". فبدلاً من الاعتماد على هدف واحد كبير وسهل الاستهداف في الفضاء، ينتقل الجيش الأمريكي نحو شبكة متداخلة من الأقمار الصناعية الصغيرة والمناورة.

في المحيط الجيوسياسي المتوتر، وخاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يرسل هذا النجاح رسالة ردع واضحة. فالقدرة على تأمين اتصالات القوات في ظل "حرب إلكترونية شاملة" تعني أن القيادة والسيطرة لن تُقطع أبداً، وهو ما يفرغ استراتيجيات "منع الوصول وتحدي المناطق" (A2/AD) التي تتبناها القوى الكبرى المنافسة من محتواها. إن هذا النظام يمنح القائد الميداني "رؤية إلهية" للمسرح القتالي، حيث ترتبط كل طائرة بدون طيار، وكل مدرعة، وكل جندي بمصدر واحد للحقيقة المعلوماتية غير القابلة للتعطيل.

يمثل هذا التطور تحولا تقنياً سيعيد رسم خارطة الإنفاق العسكري الدولي. أولاً، يكرس هذا النجاح هيمنة الشركات الأمريكية مثل Viasat و Northrop Grumman على قطاع "الفضاء القتالي"، مما يضع معايير تقنية جديدة (Standardization) سيتعين على الحلفاء في الناتو وخارجه اتباعها لضمان التوافق العملياتي.

ثانياً، سيؤدي هذا التحول إلى طفرة في الطلب على "الأقمار الصناعية ذات التكلفة المنخفضة والإنتاج الكثيف". لم تعد الجيوش تبحث عن القمر الصناعي الذي يعيش 20 عاماً، بل تبحث عن "البرمجيات القابلة للتحديث" في الفضاء. هذا سيفتح الباب أمام دخول شركات تكنولوجية تجارية إلى الساحة الدفاعية، مما يعزز من مفهوم "الاندماج المدني العسكري" في الصناعات الفضائية.

إن نجاح تجارب Tactical SATCOM في فبراير 2026 ليس مجرد إضافة للترسانة الأمريكية، بل هو إعلان عن بدء "عصر الحرب المرتكزة على الشبكة بامتياز". إن الشركات التي تقود هذا التحول اليوم هي التي ستصيغ قواعد الاشتباك في العقود القادمة، حيث لن تُكسب المعارك بقوة النيران فحسب، بل بقدرة الإشارة على النفاذ من بين ركام التشويش لتصل إلى هدفها في الوقت المناسب.