بدأت وزارة الدفاع البريطانية مشاورات مع قطاع الصناعات الدفاعية لدراسة الخيارات المتاحة لتطوير أسطول جديد من الطائرات التدريبية النفاثة لصالح سلاح الجو الملكي البريطاني، ضمن خطة لتحديث منظومة تدريب الطيارين وإعدادهم لقيادة مقاتلات الجيلين الخامس والسادس، مع إدخال طائرة جديدة لتحل كذلك محل طائرات Hawk T1 المستخدمة من جانب فريق Red Arrows للاستعراض الجوي.
وأطلقت الوزارة عملية استطلاع للسوق بهدف جمع المعلومات من الشركات حول الطائرات والأنظمة التي يمكن أن تشكل أساسًا لمنظومة التدريب النفاث المتقدمة مستقبلًا. وحددت 11 سبتمبر 2026 موعدًا نهائيًا أمام الشركات الراغبة في المشاركة لتسجيل اهتمامها وتقديم تصوراتها بشأن قدراتها وإمكانية مساهمتها في البرنامج.
وتؤكد وزارة الدفاع البريطانية أن هذه المرحلة لا تمثل إعلانًا عن منافسة رسمية أو التزامًا بشراء طائرة محددة، وإنما تستهدف التعرف إلى الحلول المتاحة في السوق، وقدرة الصناعة على توفير منظومة تدريب متكاملة تلبي احتياجات سلاح الجو الملكي خلال السنوات المقبلة.
ويأتي التحرك البريطاني في إطار إعادة النظر في منظومة تدريب الطيارين المخصصين للعمل على الطائرات القتالية المتقدمة، حيث يتجه سلاح الجو الملكي إلى بيئة تشغيلية تعتمد بصورة متزايدة على مقاتلات مثل Eurofighter Typhoon وF-35B، بالتوازي مع الاستعداد للانتقال مستقبلًا إلى منصات الجيل السادس ضمن برنامج Global Combat Air Programme (GCAP).
وبالتالي، فإن طائرة التدريب المستقبلية لن تكون مجرد بديل مباشر لطائرة تدريب قديمة، وإنما جزء من منظومة تدريب متقدمة يفترض أن تنتقل بالطيار من مراحل التدريب الأساسي والمتقدم إلى المقاتلات العملياتية الحديثة بصورة أكثر كفاءة، مع استخدام أجهزة المحاكاة والأنظمة الأرضية إلى جانب الطائرة نفسها.
وتتجه بريطانيا إلى اعتماد مفهوم تدريبي يجمع بين التدريب الجوي الفعلي والمحاكاة الأرضية، بما يسمح بتقليل الساعات الجوية المطلوبة لبعض مراحل التدريب، مع توفير بيئة أكثر واقعية لتدريب الطيارين على إدارة المستشعرات والأسلحة والاتصالات والعمل ضمن منظومات القتال الشبكية.
ويبرز في هذا السياق عرض صناعي قدمته BAE Systems وBoeing وSaab في يوليو الماضي، بعد توقيع اتفاق تعاون بين الشركات الثلاث لتقديم منظومة تدريب بريطانية تستند إلى الطائرة التدريبية النفاثة المتقدمة T-7. ويجمع المقترح بين الطائرة التدريبية والمنظومات الأرضية وأجهزة المحاكاة بهدف إعداد الطيارين للانتقال إلى منصات الخط الأول مثل Eurofighter Typhoon وF-35.
وتمنح هذه المقاربة أهمية أكبر لطائرة التدريب نفسها، لأن دورها لم يعد يقتصر على تعليم الطيار أساسيات الطيران النفاث أو المناورة، وإنما أصبح مرتبطًا بتدريب الطيار على بيئة قتال تعتمد على المستشعرات المتقدمة وإدارة البيانات والعمل ضمن شبكة قيادة وسيطرة متعددة المنصات.
ويكتسب البرنامج كذلك أهمية بالنسبة إلى الصناعة البريطانية، إذ تبحث وزارة الدفاع عن منظومة توفر مشاركة صناعية بريطانية كبيرة. وهذا يعني أن القرار النهائي لن يرتبط فقط بخصائص طائرة التدريب، وإنما أيضًا بقدرة الشركات المشاركة على توفير أعمال هندسية وتصنيعية ودعم لوجستي داخل المملكة المتحدة.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه القوات الجوية الحديثة تحديًا متزايدًا يتمثل في ارتفاع تعقيد المقاتلات الجديدة. فالانتقال من طائرات الجيل الرابع إلى مقاتلات مثل F-35 ثم إلى منصات الجيل السادس يتطلب إعادة النظر في مراحل تدريب الطيارين، لأن المهارات المطلوبة لم تعد محصورة في التحكم بالطائرة والمناورة الجوية، بل تشمل إدارة كميات كبيرة من البيانات والتعامل مع مستشعرات متعددة وتنفيذ المهام ضمن تشكيلات مترابطة.
وتتطلب هذه البيئة منظومة تدريب قادرة على محاكاة سيناريوهات أكثر تعقيدًا، بما في ذلك العمليات المشتركة بين الطائرات المأهولة وغير المأهولة، وإدارة الأسلحة والمستشعرات، والعمل ضمن شبكة عملياتية تضم منصات جوية وبحرية وبرية وفضائية.
وتأتي عملية البحث عن الأسطول الجديد كذلك بسبب اقتراب نهاية خدمة Hawk T1 مع فريق Red Arrows، الذي يستخدم هذه النسخة من الطائرة منذ عام 1979. ومن المقرر أن تخرج طائرات Hawk T1 المستخدمة لدى الفريق من الخدمة في عام 2030، ما يجعل اختيار البديل جزءًا من عملية انتقال أوسع داخل منظومة الطيران العسكري البريطاني.
وتعود طائرة Hawk T1 في الأصل إلى سبعينيات القرن الماضي، إذ دخلت الخدمة لدى سلاح الجو الملكي عام 1976 كطائرة تدريب متقدم. وظلت الطائرة على مدار عقود إحدى المنصات الرئيسية في تدريب الطيارين البريطانيين، كما أصبحت جزءًا من هوية فريق Red Arrows بفضل استخدامها في العروض الجوية.
وتعمل Hawk T1 بمحرك Rolls-Royce Adour، ويبلغ طولها نحو 11.9 مترًا، فيما يصل باع جناحيها إلى نحو 9.4 متر، ويبلغ مداها قرابة 1000 ميل بحري، مع قدرة على التحليق حتى ارتفاع يقارب 48 ألف قدم.
لكن المتطلبات الحالية لتدريب الطيارين على مقاتلات حديثة تختلف بصورة كبيرة عن البيئة التي صممت لها Hawk T1، وهو ما يفسر توجه بريطانيا إلى البحث عن طائرة تدريب جديدة مرتبطة بمنظومة رقمية متكاملة.
يمكن لمنظومة التدريب المستقبلية أن تؤدي دورًا مهمًا في تقليل الفجوة بين التدريب المتقدم والطائرة القتالية العملياتية. فكلما زادت قدرة طائرة التدريب والمحاكاة على تمثيل بيئة المقاتلات الحديثة، أمكن للطيار الوصول إلى الطائرة العملياتية وهو يمتلك قدرًا أكبر من الخبرة في إدارة الأنظمة والمستشعرات وإجراءات القتال.
ويشير طرح T-7 من جانب BAE Systems وBoeing وSaab إلى أن المنافسة المحتملة قد لا تقتصر على بيع طائرة منفردة، بل يمكن أن تتجه نحو توفير منظومة تدريب متكاملة تجمع الطائرة وأجهزة المحاكاة والبنية الرقمية والأنظمة الأرضية وخدمات الدعم.
ويمثل هذا النموذج تحولًا مهمًا في مفهوم التدريب العسكري، لأن القوات الجوية أصبحت تتعامل مع التدريب باعتباره منظومة متكاملة مرتبطة بالبنية القتالية، وليس مرحلة منفصلة تسبق الانتقال إلى المقاتلات العملياتية.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر بالنسبة لبريطانيا بسبب مشاركتها في تطوير قدرات الجيل السادس ضمن GCAP، إذ ستكون هناك حاجة مستقبلًا إلى طيارين قادرين على العمل ضمن منظومة قتالية أكثر تعقيدًا، تتضمن مقاتلة مأهولة ومنصات غير مأهولة وأنظمة استشعار واتصالات وشبكات بيانات متقدمة.
ومن ثم، فإن طائرة التدريب التي ستختارها بريطانيا خلال المرحلة المقبلة ستعمل على الأرجح لفترة طويلة، ما يجعل تصميم منظومة التدريب وقدرتها على التطور مع الأجيال الجديدة من الطائرات عاملًا أساسيًا في القرار.
ولا يعني ذلك أن T-7 أصبحت الخيار البريطاني، إذ لا تزال العملية الحالية في مرحلة استطلاع السوق وجمع المعلومات، ولم تعلن وزارة الدفاع البريطانية عن منافسة رسمية أو قرار شراء. ولذلك فإن أي مقارنة بين الطائرات المتاحة في هذه المرحلة تظل مرتبطة بالحلول التي ستقدمها الشركات خلال فترة المشاورات.
وفي المقابل، يمثل البرنامج فرصة مهمة أمام الشركات البريطانية والدولية لتقديم حلول تدريبية قادرة على تلبية احتياجات سلاح الجو الملكي، خصوصًا في ظل توجه بريطانيا إلى زيادة الاعتماد على الأنظمة الرقمية والمحاكاة في التدريب العسكري.
وبالنسبة إلى Red Arrows، فإن استبدال Hawk T1 يضيف بُعدًا آخر للبرنامج، لأن الطائرة الجديدة ستحتاج إلى تلبية متطلبات التدريب المتقدم وفي الوقت نفسه توفير منصة مناسبة للعروض الجوية. إلا أن الهدف الأساسي للمشروع يظل تحديث منظومة تدريب الطيارين، بينما يأتي دور الفريق الاستعراضي ضمن متطلبات استبدال أسطول Hawk T1.
وتشير الخطوة البريطانية في مجملها إلى أن تحديث القوات الجوية لا يتعلق فقط باستبدال المقاتلات القديمة بمنصات أحدث، وإنما يبدأ قبل ذلك من منظومة إعداد الطيارين. فالمقاتلات الحديثة تحتاج إلى طيارين مدربين على تشغيل أنظمة أكثر تعقيدًا، والتعامل مع بيئة عملياتية تعتمد على البيانات والشبكات والعمل المشترك بين منصات مأهولة وغير مأهولة.
ومع انتهاء مهلة تقديم الشركات لمقترحاتها في سبتمبر، ستبدأ لندن في امتلاك صورة أكثر وضوحًا عن الخيارات المتاحة لتشكيل أسطول التدريب النفاث المقبل، وقدرات الصناعة على توفير منظومة تجمع بين الطائرات والمحاكاة والتدريب الرقمي والدعم طويل الأجل.
يمثل البرنامج خطوة مبكرة في إعادة بناء منظومة تدريب الطيارين البريطانيين بما يتناسب مع الانتقال من Typhoon وF-35 إلى مقاتلات الجيل السادس مستقبلًا. أما Hawk T1، التي ارتبط اسمها لعقود بتدريب الطيارين وبعروض Red Arrows، فتقترب من نهاية مسيرتها، لتفتح بذلك الطريق أمام جيل جديد من طائرات التدريب التي ستتولى إعداد الطيارين لبيئة قتالية أكثر اعتمادًا على الشبكات والمستشعرات والأنظمة الرقمية.