أعاد حادث تحطم
إحدى مقاتلات F-35B Lightning
II
التابعة لقوات مشاة البحرية الأمريكية بالقرب من قاعدة Marine Corps Air Station Miramar في ولاية كاليفورنيا تسليط الضوء على الدور العملياتي
الفريد الذي تؤديه هذه المقاتلة داخل العقيدة القتالية الأمريكية، خاصة أنها تمثل الطائرة
الوحيدة من الجيل الخامس القادرة على الإقلاع القصير والهبوط العمودي STOVL، وهي ميزة تجعلها عنصرًا أساسيًا في تنفيذ العمليات الاستكشافية ودعم
القوات المنتشرة في البيئات التي تفتقر إلى قواعد جوية تقليدية. وأسفر الحادث عن نجاة
الطيار بعد نجاحه في استخدام مقعد النجاة، فيما فتحت السلطات العسكرية تحقيقًا لتحديد
أسباب الحادث.
ورغم أن الحادث
أثار اهتمامًا واسعًا، فإن القيادة العسكرية الأمريكية شددت على أن التحقيق يركز على
تحديد الأسباب الفنية أو التشغيلية دون أن يؤثر ذلك على المكانة التي تحتلها F-35B داخل قوات مشاة البحرية. وتُصنف الواقعة ضمن حوادث
Class A Mishap،
وهي الفئة الأعلى في تصنيف الحوادث الجوية العسكرية الأمريكية، نظرًا لتدمير الطائرة
بالكامل أو تجاوز قيمة الأضرار الحدود المحددة لهذا التصنيف. كما أشارت البيانات الأولية
إلى أن الطائرة كانت تنفذ تدريبًا اعتياديًا عندما وقع الحادث أثناء مرحلة الهبوط،
بينما تمكن الطيار من القفز بالمظلة قبل اصطدام المقاتلة بالأرض.
وتتميز F-35B بقدرتها على الإقلاع من مدارج قصيرة والهبوط عموديًا
بفضل منظومة الدفع LiftSystem التي طورتها Rolls-Royce بالتعاون مع Lockheed
Martin، حيث تجمع بين محرك Pratt
& Whitney F135 ومروحة رفع أمامية ومنظومة توجيه للعادم، ما يمنحها
قدرات لا تتوافر في أي مقاتلة غربية أخرى من الجيل الخامس. وتتيح هذه التقنية تشغيل
الطائرة من السفن الهجومية البرمائية، والقواعد الجوية المؤقتة، والطرق السريعة المجهزة،
وهو ما يمنح قوات مشاة البحرية الأمريكية مرونة كبيرة في نشر القوة الجوية بالقرب من
خطوط القتال دون الاعتماد على المطارات العسكرية الكبرى.
ويمثل هذا المفهوم
حجر الأساس في عقيدة Expeditionary
Advanced Base Operations (EABO) التي تتبناها قوات مشاة البحرية الأمريكية، والتي تقوم على نشر وحدات
صغيرة وسريعة الحركة داخل الجزر والمناطق الساحلية المتقدمة، مع توفير غطاء جوي مستمر
من مقاتلات قادرة على العمل من مواقع يصعب استهدافها أو اكتشافها. وفي هذا السياق،
تؤدي F-35B دورًا يتجاوز تنفيذ الضربات الجوية التقليدية، إذ
تعمل أيضًا كمنصة استطلاع واستشعار وجمع معلومات وقيادة معركة، بفضل رادار AN/APG-81 AESA ومنظومة Distributed Aperture System (DAS) وحزمة
الحرب الإلكترونية AN/ASQ-239،
بما يسمح لها بتبادل البيانات مع مختلف المنصات القتالية في الوقت الحقيقي.
كما تمنح خصائص
التخفي التي تتمتع بها F-35B قدرة كبيرة على اختراق شبكات الدفاع الجوي الحديثة وتنفيذ الضربات الدقيقة
ضد الأهداف عالية القيمة، سواء باستخدام الذخائر المحمولة داخل مخزن الأسلحة الداخلي
للحفاظ على البصمة الرادارية المنخفضة، أو عبر نقاط التعليق الخارجية عند الحاجة إلى
زيادة الحمولة. وتستطيع المقاتلة حمل مجموعة واسعة من الذخائر، من بينها AIM-120 AMRAAM وAIM-9X
Sidewinder وGBU-53/B
StormBreaker وJoint
Strike Missile، ما يمنحها مرونة كبيرة في تنفيذ مهام التفوق الجوي والهجوم الأرضي
والإسناد القريب والاستطلاع المسلح.
ويؤكد استمرار الاعتماد
على F-35B أن قوات مشاة البحرية الأمريكية لا تمتلك بديلًا
يوفر المزيج نفسه من خصائص التخفي والمرونة التشغيلية. فبينما توفر F-35A أداءً أعلى من القواعد الجوية التقليدية، وتعمل F-35C من حاملات الطائرات، تبقى F-35B النسخة الوحيدة القادرة على مرافقة القوات البرية
في العمليات الاستكشافية والعمل من السفن البرمائية مثل America-class وWasp-class،
وهو ما يجعلها عنصرًا رئيسيًا في أي سيناريو يتطلب الانتشار السريع داخل مناطق متنازع
عليها.
يبرز الحادث أن
تشغيل مقاتلات STOVL يفرض تحديات تقنية معقدة بسبب طبيعة منظومة الدفع وآلية الانتقال بين الطيران
التقليدي والهبوط العمودي، إلا أن هذه التحديات تعد جزءًا طبيعيًا من تشغيل واحدة من
أكثر الطائرات المقاتلة تطورًا في العالم. وفي المقابل، أثبتت F-35B خلال السنوات الماضية قدرتها على تنفيذ عمليات قتالية
من قواعد أمامية وسفن هجومية برمائية، ما منح القوات الأمريكية مرونة يصعب تحقيقها
باستخدام المقاتلات التقليدية التي تتطلب مدارج طويلة وبنية تحتية متكاملة.
كما يسلط الحادث
الضوء على الأهمية المتزايدة لمفهوم التشغيل الموزع للقوة الجوية، خاصة في منطقة المحيطين
الهندي والهادئ، حيث تستعد الولايات المتحدة لمواجهة بيئات عمليات تتسم بانتشار الجزر
وصعوبة الاعتماد على قواعد جوية ثابتة قد تتعرض للاستهداف في المراحل الأولى من أي
نزاع. ولذلك، تمثل F-35B أحد أهم عناصر استراتيجية الردع الأمريكية، إذ تمنح واشنطن القدرة على توزيع
طائراتها المقاتلة على عدد كبير من المواقع المؤقتة، بما يصعب على الخصوم شل القوة
الجوية الأمريكية بضربات استباقية.
إن الحادث لن يغير من الزخم الذي يشهده برنامج F-35، لكنه سيخضع لعملية مراجعة فنية دقيقة قد تسهم في إدخال تحسينات إضافية
على إجراءات التشغيل أو الصيانة إذا أثبت التحقيق وجود أسباب تقنية تستدعي ذلك. وفي
الوقت نفسه، يواصل البرنامج ترسيخ مكانته باعتباره أكبر مشروع للمقاتلات متعددة المهام
في العالم، مع استمرار الطلب على النسخة F-35B من جانب عدد من الدول التي تعتمد على حاملات الطائرات
الخفيفة أو السفن الهجومية البرمائية، وهو ما يؤكد أن قدرات الإقلاع القصير والهبوط
العمودي ستظل عنصرًا حاسمًا في تشكيل القوة الجوية البحرية خلال العقود المقبلة.