أخبار: كوريا الجنوبية تعتزم شراء 20 ألف مسيرة منخفضة التكلفة

كشفت كوريا الجنوبية عن خطة طموحة لنشر نحو 20 ألف طائرة مسيّرة عسكرية بحلول عام 2030، ضمن استراتيجية لإعادة هيكلة القوات المسلحة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة. وتأتي الخطة استجابة للدروس المستخلصة من الحرب الروسية الأوكرانية، وتزايد التهديدات العسكرية القادمة من كوريا الشمالية، في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على تطوير قدرات الحرب غير المأهولة.

أعلنت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية عن إطلاق برنامج واسع النطاق يهدف إلى نشر ما يقرب من 20 ألف طائرة مسيّرة عسكرية بحلول عام 2030، في إطار خطة شاملة لإعادة هيكلة القوات المسلحة وتعزيز جاهزيتها لمواجهة التحديات الأمنية المستقبلية. ويأتي البرنامج ضمن مبادرة جديدة تحمل اسم "Drone Operations Command Initiative"، والتي تستهدف توسيع استخدام الأنظمة غير المأهولة داخل مختلف أفرع القوات المسلحة، مع دمجها في العقيدة العسكرية الكورية الجنوبية باعتبارها أحد المكونات الرئيسية للقدرات القتالية المستقبلية.

وتأتي هذه الخطوة بعد مراجعة شاملة أجرتها وزارة الدفاع الكورية الجنوبية للدروس المستفادة من النزاعات الحديثة، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية، التي أظهرت التأثير المتزايد للطائرات المسيّرة في تنفيذ عمليات الاستطلاع، وتوجيه نيران المدفعية، وتنفيذ الضربات الدقيقة، والحرب الإلكترونية، فضلاً عن دورها في إرباك منظومات الدفاع التقليدية. كما تأثرت سيؤول بحوادث اختراق طائرات مسيّرة كورية شمالية لمجالها الجوي خلال الأعوام الماضية، وهو ما دفعها إلى تسريع برامج تطوير قدراتها في هذا المجال.

وبحسب الخطة الجديدة، سيتم إنشاء وحدات متخصصة لتشغيل الطائرات المسيّرة داخل مختلف تشكيلات القوات المسلحة، مع زيادة أعداد المنصات غير المأهولة المستخدمة على المستويات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية. كما يشمل البرنامج تطوير قدرات الاستطلاع والمراقبة المستمرة، وتعزيز إمكانات تنفيذ الضربات الدقيقة، وتوسيع استخدام الطائرات المسيّرة في مهام الحرب الإلكترونية والاستطلاع الإلكتروني، إضافة إلى مهام الدعم اللوجستي ونقل الإمدادات في البيئات العملياتية الصعبة.

وتستهدف وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أيضاً إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة أكبر داخل أنظمة تشغيل الطائرات المسيّرة، بما يسمح بتحسين سرعة معالجة البيانات، ورفع كفاءة التعرف على الأهداف، وتعزيز القدرة على تنفيذ العمليات بصورة أكثر استقلالية. كما يجري العمل على تطوير منظومات قيادة وسيطرة جديدة تتيح إدارة أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة في وقت واحد وربطها بشبكات القيادة والسيطرة التابعة للقوات البرية والجوية والبحرية.

ولا تقتصر الخطة على زيادة أعداد الطائرات المسيّرة فحسب، بل تشمل أيضاً إعادة هيكلة التنظيم العسكري المسؤول عن تشغيلها. فقد أعلنت وزارة الدفاع عن توسيع صلاحيات قيادة عمليات الطائرات المسيّرة التي أُنشئت في عام 2023، بحيث تتحول إلى قيادة مركزية تتولى تنسيق العمليات غير المأهولة بين مختلف أفرع القوات المسلحة، مع تطوير عقائد تشغيل جديدة تتناسب مع طبيعة الحرب الحديثة ومتطلبات العمليات متعددة المجالات.

ويواكب البرنامج استثمارات واسعة في الصناعات الدفاعية الكورية الجنوبية، حيث تعتزم الحكومة دعم الشركات الوطنية العاملة في مجالات الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار، وأنظمة الاتصالات العسكرية، بما يضمن توفير الجزء الأكبر من احتياجات القوات المسلحة من خلال الإنتاج المحلي. ويأتي ذلك في إطار سياسة أوسع تستهدف تعزيز الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية، وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات الكورية في أسواق التصدير العالمية.

ويحظى المشروع بدعم مباشر من القيادة السياسية والعسكرية في سيؤول، التي ترى أن التطورات التكنولوجية المتسارعة تفرض إعادة النظر في هيكل القوات المسلحة التقليدي. وتشير وزارة الدفاع إلى أن الطائرات المسيّرة أصبحت أداة لا غنى عنها في مختلف مراحل العمليات العسكرية، بدءاً من جمع المعلومات الاستخباراتية وحتى تنفيذ الهجمات الدقيقة، وهو ما يتطلب امتلاك أعداد كبيرة ومتنوعة من هذه المنصات لتغطية مختلف السيناريوهات العملياتية.

ويأتي الإعلان عن هذه الخطة في وقت تتزايد فيه المنافسة الإقليمية في شرق آسيا على تطوير الأنظمة غير المأهولة. فقد استثمرت الصين واليابان وكوريا الشمالية خلال السنوات الأخيرة بصورة مكثفة في برامج الطائرات المسيّرة، سواء لأغراض الاستطلاع أو الهجوم أو الحرب الإلكترونية، الأمر الذي يدفع كوريا الجنوبية إلى تسريع برامجها للحفاظ على توازن الردع في المنطقة.

يمثل البرنامج فرصة كبيرة لقطاع الصناعات الدفاعية الكورية الجنوبية، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة من أسرع القطاعات نمواً على المستوى العالمي. ومن المتوقع أن يؤدي الطلب على آلاف الطائرات المسيّرة الجديدة إلى زيادة الاستثمارات في مجالات المحركات، والأنظمة الكهروبصرية، والرادارات الصغيرة، والاتصالات المؤمنة، والبرمجيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يعزز مكانة الشركات الكورية كمورد رئيسي لهذه التقنيات في الأسواق الدولية.

استراتيجياً، يعكس البرنامج تحولاً عميقاً في فلسفة بناء القوة العسكرية الكورية الجنوبية. فبدلاً من الاعتماد بصورة رئيسية على المنصات التقليدية مرتفعة التكلفة، تتجه سيؤول إلى بناء قوة أكثر مرونة تعتمد على الدمج بين الأنظمة المأهولة وغير المأهولة، بما يرفع من كثافة القدرات القتالية ويقلل في الوقت نفسه من المخاطر البشرية. كما أن استهداف نشر 20 ألف طائرة مسيّرة خلال أقل من خمس سنوات يعكس إدراكاً بأن الحروب المستقبلية ستقوم على الانتشار الكثيف للمنصات غير المأهولة، وليس فقط على امتلاك أنظمة تسليح أكثر تطوراً.

تمثل الخطة رسالة واضحة بأن سوق الطائرات المسيّرة يدخل مرحلة جديدة من التوسع الكمي، وليس النوعي فقط. فبعد أن كان التركيز ينصب على تطوير نماذج متقدمة بأعداد محدودة، تتجه الجيوش الكبرى الآن إلى بناء أساطيل ضخمة من الطائرات المسيّرة منخفضة ومتوسطة التكلفة، القادرة على تنفيذ مهام متنوعة بصورة متزامنة. وإذا نجحت كوريا الجنوبية في تنفيذ برنامجها وفق الجدول الزمني المعلن، فإنها ستصبح واحدة من أكبر مشغلي الطائرات المسيّرة العسكرية في العالم، وهو ما سيعزز مكانتها العسكرية ويمنح صناعاتها الدفاعية دفعة كبيرة في سوق يشهد نمواً غير مسبوق.