في خطوة استراتيجية تعكس جدية الولايات المتحدة في تحديث ثالوثها النووي وحماية أصولها الأكثر حيوية، سجلت القوات الجوية الأمريكية (U.S. Air Force) في الثامن من يناير عام 2026 علامة فارقة بدخول المروحية MH-139A Grey Wolf الخدمة العملياتية الفعلية. وقد تمثلت هذه المهمة التاريخية في مرافقة قافلة تابعة لصاروخ Minuteman III العابر للقارات، وهو الحدث الذي ينهي رسمياً حقبة مروحيات UH-1N Huey التي خدمت لأكثر من خمسة عقود، ويؤذن ببدء مرحلة جديدة من السيطرة الجوية على حقول الصواريخ النووية الشاسعة.
انطلقت المهمة من قاعدة Malmstrom Air Force Base في ولاية مونتانا، حيث قامت مروحيتان من طراز MH-139A Grey Wolf، تابعتان للسرب الأربعين للمروحيات (40th Helicopter Squadron)، بمرافقة قافلة برية ضخمة ضمت مركبات صيانة الصواريخ وعناصر أمنية مدرعة. امتدت الرحلة لمسافة تجاوزت 100 ميل شرق القاعدة، واستغرقت ست ساعات متواصلة من الطيران دون الحاجة لإعادة التزود بالوقود، وهو ما أثبت الكفاءة العالية لهذا الطراز الجديد في تنفيذ مهام التحمل الطويل.
هذه الخطوة تأتي تتويجاً لبرنامج اختبارات صارم بدأ في عام 2025، وشمل محاكاة لسيناريوهات استعادة السيطرة على منشآت الإطلاق والرد السريع على التهديدات الأرضية. وبحسب قيادة الضربة العالمية للقوات الجوية (Air Force Global Strike Command)، فإن نجاح هذه القافلة يمهد الطريق لإعلان القدرة العملياتية الكاملة للأسطول الجديد في جميع أجنحة الصواريخ النووية الأمريكية.
تعد MH-139A Grey Wolf، التي طورتها شركة Boeing بالتعاون مع شركة Leonardo بناءً على المنصة الناجحة AW139، قفزة تقنية هائلة مقارنة بسابقتها. فالمروحية الجديدة تتفوق بنسبة 50% في السرعة، حيث تصل سرعتها القصوى إلى 167 عقدة، مما يسمح لها بالوصول إلى مواقع التهديد قبل عدة دقائق من الطرازات القديمة. كما توفر المروحية قدرة حمولة أكبر بنسبة 50%، مما يتيح نقل ضعف عدد قوات الأمن المسلحة في رحلة واحدة.
تم تزويد "الذئب الرمادي" بأنظمة إلكترونيات طيران متطورة ونظام رؤية حرارية مستقبلي (Forward Looking Infrared - FLIR) يعزز من وعي الطاقم بالحالة المحيطة في أقسى الظروف الجوية. كما أنها مجهزة بأنظمة حماية نشطة ومقصورة مدرعة، مما يجعلها منصة حصينة قادرة على الصمود في بيئات النزاع عالية الكثافة. وتعمل المروحية بمحركين من طراز Pratt & Whitney PT6C-67C، مما يمنحها موثوقية عالية في المناطق الجبلية والوعرة التي تقع فيها حقول الصواريخ.
استراتيجياً، يمثل نشر MH-139A Grey Wolf تعزيزاً مباشراً لموثوقية الردع النووي الأمريكي. إن تأمين الصواريخ العابرة للقارات (ICBMs) أثناء تحركها أو في مواقع إطلاقها لا يقتصر فقط على القوة النارية، بل يعتمد على "سرعة الاستجابة" والقدرة على تغطية مساحات جغرافية هائلة بسرعة فائقة. في ظل التوترات المتزايدة مع القوى الكبرى، فإن امتلاك وسيلة نقل جوي قادرة على نشر القوات الخاصة بسرعة البرق حول منشآت النووي يقلل من احتمالية نجاح أي محاولات تخريبية أو هجمات سيبرانية-فيزيائية منسقة.
كما أن هذه الخطوة تعكس تحولاً في العقيدة العسكرية الأمريكية نحو الاعتماد على منصات "مزدوجة الاستخدام" (تجاري وعسكري) لتقليل التكاليف التشغيلية وسهولة الحصول على قطع الغيار عبر سلاسل توريد عالمية، مما يضمن بقاء أسطول المروحيات في حالة جاهزية دائمة بنسبة تفوق ما كان متاحاً في السابق.