كشفت شركة Elbit Systems عن جيل جديد من شبكات القتال الرقمية المصممة لربط مختلف عناصر القوة العسكرية ضمن منظومة عملياتية موحدة تتيح تبادل البيانات والقرارات القتالية بصورة شبه فورية. ويعكس النظام الجديد توجهاً متنامياً داخل الجيوش الحديثة نحو بناء شبكات قتالية مترابطة تعتمد على الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات في الزمن الحقيقي، بهدف تقليص الفجوة الزمنية بين اكتشاف الهدف واتخاذ قرار الاشتباك وتدميره.
وتأتي هذه الخطوة في ظل التغيرات العميقة التي تشهدها ساحات القتال الحديثة، حيث لم تعد فعالية الجيوش تقاس فقط بعدد المنصات القتالية أو حجم الترسانة العسكرية، بل بقدرتها على جمع المعلومات وتحليلها وتوزيعها بسرعة بين مختلف الوحدات. وقد أظهرت النزاعات الأخيرة في أوروبا والشرق الأوسط أن التفوق المعلوماتي وسرعة اتخاذ القرار أصبحا عاملين حاسمين لا يقلان أهمية عن قوة النيران التقليدية، الأمر الذي دفع شركات الصناعات الدفاعية إلى الاستثمار بكثافة في أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات الشبكية.
ووفقاً للتفاصيل التي عرضتها Elbit Systems، فإن الشبكة الجديدة صممت لتعمل كمنظومة موحدة قادرة على ربط الجنود في الميدان وعربات المشاة القتالية والدبابات ووحدات المدفعية والطائرات المسيّرة والمروحيات والطائرات المقاتلة ومراكز القيادة ضمن بيئة رقمية واحدة. ويتيح هذا التكامل انتقال المعلومات بين مختلف المستويات القتالية خلال ثوانٍ معدودة، ما يمنح القادة صورة عملياتية أكثر دقة وشمولاً عن مجريات المعركة.
ويعتمد النظام على بنية اتصالات مرنة تسمح بدمج عدد كبير من أجهزة الاستشعار ومنصات التسليح المختلفة بغض النظر عن الشركة المصنعة أو نوع المنصة. ويعني ذلك أن الجيوش المستخدمة للشبكة تستطيع ربط الأنظمة الجديدة والقديمة داخل إطار تشغيلي واحد دون الحاجة إلى استبدال كامل للبنية التحتية العسكرية القائمة، وهو عامل بالغ الأهمية بالنسبة للدول التي تمتلك أساطيل متنوعة من المعدات الغربية والشرقية أو تلك التي تسعى إلى تحديث قواتها تدريجياً.
ومن أبرز الخصائص التي تميز الشبكة الجديدة قدرتها على إنشاء ما يعرف بـ"الصورة العملياتية المشتركة"، حيث يتم دمج البيانات الواردة من الرادارات والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستطلاع الأرضية ووحدات المراقبة الإلكترونية ضمن واجهة موحدة تعرض للقادة والجنود معلومات محدثة باستمرار عن مواقع القوات الصديقة والتهديدات المحتملة والأهداف المكتشفة. ويسمح ذلك بتقليل حالات سوء التقدير وتسريع عملية اتخاذ القرار في البيئات القتالية المعقدة.
كما تركز Elbit Systems بصورة خاصة على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل الشبكة الجديدة. فبدلاً من الاكتفاء بعرض البيانات الخام للمشغلين، تقوم الخوارزميات بتحليل الكم الهائل من المعلومات الواردة من مختلف المستشعرات واستخلاص الأنماط والتهديدات المحتملة واقتراح أولويات الاشتباك. ويهدف هذا النهج إلى تخفيف العبء المعرفي عن القادة والمشغلين وتمكينهم من التركيز على القرارات التكتيكية والاستراتيجية بدلاً من الانشغال بفرز البيانات وتحليلها يدوياً.
ويبرز عنصر الطائرات المسيّرة كأحد المكونات الرئيسية في المنظومة الجديدة. فالشبكة تتيح تبادل البيانات بصورة مباشرة بين الطائرات غير المأهولة والوحدات البرية ومراكز القيادة، ما يسمح بتحويل الطائرات المسيّرة إلى عقد استشعار متقدمة داخل شبكة القتال. وعند اكتشاف هدف معادٍ، يمكن نقل الإحداثيات فوراً إلى أقرب منصة نيرانية سواء كانت منظومة مدفعية أو عربة قتالية أو طائرة مأهولة، وهو ما يختصر بصورة كبيرة الزمن المطلوب لتنفيذ الضربات.
كما يوفر النظام إمكانات متقدمة للعمل في البيئات التي تتعرض للتشويش الإلكتروني أو الهجمات السيبرانية. فقد جرى تصميم الشبكة بحيث تحتفظ بقدرتها التشغيلية حتى في حال فقدان بعض العقد أو قنوات الاتصال، مع إعادة توزيع البيانات والمسارات تلقائياً للحفاظ على استمرارية العمليات. وتكتسب هذه الخاصية أهمية متزايدة في ظل تحول الحرب الإلكترونية إلى أحد أهم مكونات الصراعات الحديثة.
يمثل النظام الجديد تجسيداً عملياً لمفهوم العمليات متعددة المجالات الذي تتبناه العديد من الجيوش الكبرى حالياً. ويقوم هذا المفهوم على دمج القدرات البرية والجوية والبحرية والفضائية والإلكترونية ضمن شبكة واحدة تسمح بتنفيذ عمليات متزامنة ومترابطة. وبدلاً من عمل كل فرع من القوات المسلحة بصورة منفصلة، تصبح جميع الوحدات جزءاً من منظومة قتالية موحدة تتبادل المعلومات والمهام بشكل مستمر.
ويعكس الكشف عن هذه الشبكة أيضاً المنافسة المتصاعدة داخل سوق أنظمة القيادة والسيطرة العالمية. فالشركات الدفاعية الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا تستثمر مليارات الدولارات لتطوير حلول مشابهة تعتمد على الحوسبة السحابية العسكرية والذكاء الاصطناعي والاتصالات المؤمنة. ويرجع ذلك إلى إدراك متزايد بأن الحروب المستقبلية ستُحسم بدرجة كبيرة من خلال القدرة على إدارة المعلومات وتحويلها إلى تأثير قتالي أسرع من الخصم.
نجاح Elbit Systems في تطوير مثل هذه الأنظمة يعزز مكانتها كواحدة من أبرز الشركات العالمية في مجالات الرقمنة العسكرية والأنظمة الشبكية. فالشركة تمتلك سجلاً طويلاً في تطوير حلول القيادة والسيطرة والاتصالات وأنظمة الجنود الرقمية، وقد أصبحت منتجاتها تستخدم في عدد كبير من الجيوش حول العالم، خاصة في الأسواق التي تبحث عن حلول متكاملة تجمع بين المرونة التشغيلية والتكلفة الأقل مقارنة ببعض الأنظمة الغربية المنافسة.
يكشف النظام الجديد عن الاتجاه الذي تسير نحوه الحروب الحديثة. فمع تزايد أعداد المستشعرات والطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية، أصبحت المعركة تدور حول القدرة على جمع البيانات وربطها واستغلالها بسرعة أكبر من الخصم. وفي هذا السياق، تتحول شبكات القتال الرقمية من أدوات مساندة إلى مكونات أساسية في بنية القوة العسكرية الحديثة، تماماً كما كانت الدبابات والطائرات والمدفعية في العقود السابقة.
إن شبكة القتال الرقمية الجديدة التي كشفت عنها Elbit Systems تمثل نموذجاً واضحاً للجيل القادم من أنظمة القيادة والسيطرة العسكرية. فمن خلال دمج القوات البرية والجوية وأجهزة الاستشعار ومنصات التسليح ضمن بيئة عملياتية واحدة، تسعى الشركة إلى تقليص دورة اتخاذ القرار وتسريع تنفيذ الضربات وتحسين الوعي الميداني. ومع استمرار التحول العالمي نحو الحروب الشبكية متعددة المجالات، تبدو مثل هذه الأنظمة مرشحة للعب دور محوري في تشكيل ملامح ساحات القتال خلال العقود المقبلة.