دخلت المنافسة على برنامج الغواصات الكندية المستقبلية مرحلة أكثر سخونة بعد أن قدمت ألمانيا عرضًا رسميًا لكندا يتيح تسليم أربع غواصات من طراز Type 212CD قبل عام 2036، في محاولة مباشرة لمواجهة العرض الكوري الجنوبي القائم على غواصات KSS-III ضمن مشروع Canadian Patrol Submarine Project المعروف اختصارًا بـCPSP، والذي يُعد أحد أكبر برامج التسلح البحري في تاريخ كندا بقيمة قد تصل إلى 60 مليار دولار كندي.
ألمانيا والنرويج عرضتا على أوتاوا إعادة تخصيص غواصتين من حصصهما الإنتاجية الحالية ضمن برنامج Type 212CD المشترك، بما يسمح لكندا بالحصول على غواصات مبكرة من خط إنتاج قائم بالفعل بدلًا من انتظار فتح خطوط تصنيع جديدة، وهو عنصر حاسم داخل المنافسة الحالية نظرًا لحاجة البحرية الكندية إلى تجنب فجوة عملياتية مع اقتراب خروج غواصات Victoria-class من الخدمة خلال منتصف ثلاثينيات القرن الحالي.
ويمثل هذا التحرك الألماني محاولة واضحة لمعادلة العرض الكوري الجنوبي الذي تقوده شركة Hanwha Ocean، والتي قدمت بالفعل عرضًا يتضمن تسليم أربع غواصات KSS-III Batch II بحلول عام 2035. ويبدو أن برلين أدركت أن عنصر “سرعة التسليم” أصبح أحد أهم العوامل الحاسمة داخل البرنامج الكندي، خاصة مع الضغوط المتزايدة على البحرية الكندية للحفاظ على قدراتها تحت السطحية دون انقطاع خلال العقد المقبل.
وتُعد غواصات Type 212CD الجيل الأحدث من عائلة الغواصات الألمانية Type 212، وقد جرى تطويرها بصورة مشتركة بين ألمانيا والنرويج لتلبية متطلبات العمليات في شمال الأطلسي والقطب الشمالي. وتتميز الغواصة بتصميم منخفض البصمة الصوتية مع بدن ذي خصائص شبحية محسنة لتقليل فرص اكتشافها بواسطة السونارات الحديثة، إلى جانب اعتمادها على منظومة دفع مستقلة عن الهواء Air-Independent Propulsion تعتمد على خلايا وقود PEM من الجيل الرابع، بما يسمح لها بالبقاء لفترات طويلة تحت الماء دون الحاجة إلى الصعود المتكرر.
كما تعتمد الغواصة على بطاريات ليثيوم أيون ومحركات MTU 4000-series diesel، مع قدرة على البقاء في البحر لنحو 41 يومًا، وهو عنصر بالغ الأهمية بالنسبة لكندا التي تحتاج إلى غواصات قادرة على تنفيذ دوريات طويلة المدى في المحيطات الثلاثة: الأطلسي والهادئ والقطب الشمالي. وتُعد العمليات القطبية تحديدًا أحد أكثر العوامل تأثيرًا في البرنامج الكندي الجديد، إذ تسعى أوتاوا إلى امتلاك غواصات قادرة على العمل تحت الجليد وفي البيئات القطبية المعقدة لمواجهة التوسع الروسي والصيني المتزايد في المنطقة القطبية الشمالية.
ويشير العرض الألماني أيضًا إلى انضمام كندا المحتمل إلى ما يُعرف باسم “Team 212CD”، وهو إطار تعاون صناعي وتشغيلي مشترك يضم ألمانيا والنرويج ضمن برنامج موحد للغواصات يشمل التدريب والصيانة والتحديثات وأنظمة القتال والدعم اللوجستي. وفي حال انضمام كندا، فقد يرتفع العدد الإجمالي للغواصات العاملة ضمن هذه المنظومة المشتركة إلى 24 غواصة متطابقة أو متقاربة التجهيز، ما يمنح أوتاوا مزايا كبيرة تتعلق بخفض تكاليف التطوير والتحديث والدعم الفني على المدى الطويل.
وتعتمد Type 212CD على منظومة القتال ORCCA المطورة بصورة مشتركة بين TKMS وKongsberg، مع تجهيزات استشعار متقدمة تشمل سونارات ملاحة وقتال وأنظمة كهروبصرية من Hensoldt، إضافة إلى أنظمة حرب إلكترونية ورادارات من شركة Indra الإسبانية. كما تتمتع الغواصة بستة أنابيب طوربيد عيار 533 ملم قادرة على إطلاق الطوربيدات الثقيلة وأنظمة مضادة للطوربيدات وربما صواريخ مستقبلية، مع تركيز واضح على العمليات الشبكية والتوافق الكامل مع منظومات الناتو الحديثة.
تعكس المنافسة بين العرض الألماني والكوري الجنوبي تحولات أوسع داخل سوق الغواصات التقليدية عالميًا، حيث لم تعد المنافسة تقتصر على الأداء الفني فقط، بل أصبحت تشمل الجوانب الصناعية، وسرعة التسليم، ونقل التكنولوجيا، والتكامل الاستراتيجي طويل المدى.
فألمانيا تحاول تقديم عرضها باعتباره “شراكة أطلسية وقطبية” طويلة الأمد تربط كندا مباشرة بالبنية الدفاعية لشمال أوروبا والناتو في المحيط المتجمد الشمالي وشمال الأطلسي، بينما تعتمد كوريا الجنوبية على عنصر السرعة الصناعية والقدرة الإنتاجية العالية وخبرتها المتنامية في تصدير الغواصات والمنصات البحرية الثقيلة.
كما أن التحرك الألماني يكشف حجم القلق داخل الناتو من تصاعد التحديات البحرية في القطب الشمالي، حيث أصبحت المنطقة تشهد تنافسًا متزايدًا بين روسيا والصين والغرب على طرق الملاحة والموارد والطاقة والبنية العسكرية. وتمثل الغواصات عنصرًا محوريًا في أي استراتيجية ردع أو مراقبة داخل البيئات القطبية، نظرًا لقدرتها على تنفيذ عمليات استطلاع وضرب وردع بعيدًا عن الرصد المباشر.
ويحمل العرض الألماني كذلك بعدًا اقتصاديًا ضخمًا، إذ تحدثت برلين عن حزمة استثمارات وعوائد اقتصادية قد تصل إلى 86 مليار دولار كندي على مدار عمر البرنامج، تشمل مشاريع مرتبطة بالطاقة والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي والبنية الصناعية والدعم البحري، إلى جانب تطوير مرافق صيانة وتدريب داخل كندا نفسها.
ومن الناحية العملياتية، تبدو Type 212CD ملائمة بدرجة كبيرة للبيئة الكندية بسبب تركيزها على العمليات في المياه الباردة والقطبية، فضلًا عن خصائصها الشبحية العالية وانخفاض بصمتها الصوتية، وهو عامل حاسم في أي مواجهة مستقبلية تحت سطح البحر في شمال الأطلسي أو القطب الشمالي.
لكن في المقابل، يواجه العرض الألماني تحديًا رئيسيًا يتعلق بالطاقة الإنتاجية وخطوط التصنيع المزدحمة أصلًا بطلبات ألمانية ونرويجية وبرامج تصدير أخرى، وهو ما دفع برلين إلى تقديم فكرة “إعادة تخصيص” غواصات من حصصها الوطنية لصالح كندا كحل لتجاوز مشكلة الجداول الزمنية.
ويرى مراقبون أن القرار الكندي النهائي لن يُحسم فقط بناء على المواصفات الفنية للغواصات، بل أيضًا وفق الحسابات الجيوسياسية والصناعية والتحالفية طويلة المدى. فاختيار Type 212CD قد يدفع كندا إلى اندماج أعمق داخل البنية البحرية الأوروبية والأطلسية، بينما يمنح اختيار KSS-III الكورية الجنوبية أوتاوا مسارًا أكثر استقلالية صناعيًا مع شريك آسيوي سريع الصعود داخل سوق الصناعات البحرية العسكرية.
وتكشف المنافسة الحالية على برنامج الغواصات الكندي عن عودة الغواصات التقليدية إلى صدارة سباق التسلح البحري العالمي، خاصة مع تصاعد التوترات في القطب الشمالي وشمال الأطلسي والمحيط الهادئ، وعودة التركيز على قدرات الردع تحت سطح البحر باعتبارها أحد أهم أدوات الصراع البحري في العقود المقبلة.