في خطوة تعكس تسارع جهود تحديث أسطول الغواصات الأمريكي وتعزيز قدراته القتالية الرقمية، منحت البحرية الأمريكية شركة Arcfield عقدًا جديدًا بقيمة 75 مليون دولار لمواصلة دعم وتطوير منظومات التحكم القتالي الخاصة بالغواصات، وعلى رأسها منظومة AN/BYG-1 التي تُعد العمود الفقري للقدرات القتالية للغواصات الأمريكية الحديثة. ويأتي العقد الجديد في وقت تشهد فيه البيئة البحرية العالمية تصاعدًا غير مسبوق في المنافسة الاستراتيجية تحت سطح البحر، خصوصًا مع تنامي القدرات البحرية لكل من الصين وروسيا وتوسع برامج الغواصات بعيدة المدى لدى عدد من القوى الإقليمية والدولية.
العقد مُنح عبر شركة Rite-Solutions التي استحوذت عليها Arcfield خلال ديسمبر 2025، وهو ما يعكس توجهًا أمريكيًا واضحًا نحو دمج الخبرات البرمجية والهندسية المتخصصة ضمن منظومة صناعية دفاعية أكثر تكاملًا ومرونة. ويمتد العقد لمدة خمس سنوات لصالح مركز الحرب تحت الماء التابع للبحرية الأمريكية في Newport، حيث ستواصل الشركة تقديم خدمات هندسية وتقنية متقدمة لبرنامج Code 25 المسؤول عن تطوير وإدارة منظومات التحكم القتالي للغواصات النووية والهجومية العاملة ضمن الأسطول الأمريكي.
ويشمل نطاق العمل تطوير البرمجيات القتالية، والهندسة القائمة على النماذج الرقمية، وتكامل الأنظمة، واختبارات التشغيل، إضافة إلى خدمات الأمن السيبراني الخاصة بالبنية القتالية للغواصات. وتبرز أهمية هذا النوع من العقود في كون الغواصات الحديثة لم تعد تعتمد فقط على قدراتها التخفيّة أو تسليحها التقليدي، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على المعالجة الفورية للبيانات، والذكاء البرمجي، وربط المستشعرات وأنظمة الاستهداف ضمن بيئة قتالية رقمية شديدة التعقيد.
وتُعد منظومة AN/BYG-1 واحدة من أهم منظومات التحكم القتالي البحرية في العالم، إذ تتولى دمج بيانات السونار والرادارات والمستشعرات التكتيكية لإدارة الاشتباكات البحرية، وتحديد الأهداف، وإطلاق الطوربيدات وصواريخ الكروز، فضلًا عن تتبع الغواصات والسفن السطحية المعادية في الوقت الحقيقي. وتمثل المنظومة نقلة نوعية مقارنة بالأجيال السابقة بفضل اعتمادها على مكونات وبرمجيات تجارية قابلة للتحديث المستمر، وهو ما يسمح بتطويرها بوتيرة أسرع وبتكلفة أقل مقارنة بالأنظمة المغلقة التقليدية.
ويكتسب البرنامج أهمية استراتيجية إضافية بسبب طبيعته متعددة الجنسيات، إذ يتم تطوير AN/BYG-1 ضمن مكتب برنامج مشترك بين الولايات المتحدة وأستراليا، كما تُستخدم المنظومة بالفعل على متن غواصات البلدين، في حين يجري بحث دمجها ضمن مشروع الغواصات النووية المستقبلية SSN-AUKUS الخاصة بتحالف AUKUS الذي يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا. ويمثل ذلك مؤشرًا واضحًا على أن واشنطن لا تنظر إلى هذه المنظومة باعتبارها مجرد برنامج تقني، بل باعتبارها منصة معيارية لتوحيد القدرات القتالية البحرية لدى الحلفاء الغربيين خلال العقود المقبلة.
ويأتي هذا التحرك الأمريكي في ظل سباق عالمي محموم لتحديث أساطيل الغواصات، حيث تسعى البحرية الأمريكية إلى الحفاظ على تفوقها النوعي في مجال الحرب تحت الماء، خاصة مع تسارع الصين في إنتاج الغواصات النووية والهجومية، إلى جانب استمرار روسيا في تحديث أسطولها من غواصات Yasen وBorei. كما أن تصاعد التوترات في المحيطين الهندي والهادئ أعاد الغواصات إلى صدارة أدوات الردع البحري، باعتبارها المنصة الأكثر قدرة على تنفيذ مهام الضربات الدقيقة وجمع المعلومات الاستخباراتية والردع النووي دون كشف مواقعها.
ومن الناحية الصناعية، يعكس العقد الجديد استمرار التحول داخل قطاع الصناعات الدفاعية الأمريكية نحو التركيز على “الحرب البرمجية” والأنظمة الرقمية المتكاملة، بدلًا من الاعتماد الحصري على المنصات التقليدية الصلبة. فالقيمة الحقيقية للغواصات الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد الصواريخ أو الطوربيدات التي تحملها، بل بقدرتها على معالجة البيانات واتخاذ القرار القتالي بسرعة تفوق الخصم، وهو ما يجعل شركات البرمجيات والهندسة الرقمية لاعبًا رئيسيًا في سوق الصناعات الدفاعية البحرية.
كما يكشف العقد عن تصاعد أهمية الأمن السيبراني في بيئة الغواصات النووية، خاصة أن أي اختراق رقمي لمنظومات التحكم القتالي قد يؤدي إلى شلل كامل في العمليات البحرية أو كشف مواقع الغواصات الاستراتيجية. ولهذا باتت برامج التحديث الأمريكية تركز بصورة متزايدة على حماية شبكات القيادة والسيطرة داخل الغواصات ضد الهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية، بالتوازي مع تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي والتحليل الفوري للبيانات.
ويرى مراقبون أن توسع Arcfield بعد استحواذها على Rite-Solutions يعكس موجة اندماجات متسارعة داخل سوق الصناعات الدفاعية الأمريكية، حيث تسعى الشركات الكبرى إلى تعزيز قدراتها في مجالات البرمجيات والهندسة الرقمية والحوسبة الدفاعية لمواكبة التحول نحو الحروب الشبكية والأنظمة الذاتية التشغيل. ويُتوقع أن يشهد قطاع أنظمة التحكم القتالي البحرية نموًا كبيرًا خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع دخول مشاريع الغواصات الجديدة ضمن برامج AUKUS وVirginia Block VI والغواصات غير المأهولة بعيدة المدى.
وفي السياق الأوسع، فإن الاستثمار الأمريكي المستمر في تحديث منظومات الغواصات يشير إلى أن واشنطن تعتبر التفوق تحت سطح البحر عنصرًا حاسمًا في موازين القوى العالمية المستقبلية، خاصة في ظل تزايد أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية واحتدام التنافس على النفوذ البحري في المحيطين الهادئ والهندي. كما أن تعزيز قدرات AN/BYG-1 يمنح البحرية الأمريكية مرونة عملياتية أكبر في إدارة المعارك البحرية المعقدة، سواء في سيناريوهات الردع النووي أو الصراعات التقليدية عالية الكثافة.
ويؤكد هذا العقد أن المنافسة البحرية العالمية لم تعد تدور فقط حول بناء غواصات أكثر هدوءًا أو تسليحًا، بل حول بناء “عقول رقمية قتالية” قادرة على إدارة المعركة البحرية الحديثة بسرعة ودقة ومرونة غير مسبوقة، وهي المعادلة التي تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخها للحفاظ على تفوقها البحري لعقود قادمة.