أخبار: كوريا الجنوبية تطلق مشروع Jangbogo-N لبناء أول غواصة هجومية نووية محلية

أعلنت كوريا الجنوبية رسميًا إطلاق مشروع Jangbogo-N لتطوير أول غواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية محليًا، في خطوة تمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في العقيدة البحرية الكورية الجنوبية وتعكس تصاعد الاهتمام بتعزيز قدرات الردع البحري تحت سطح الماء في مواجهة التهديدات الإقليمية المتزايدة، وعلى رأسها برامج كوريا الشمالية النووية والصاروخية والتوسع البحري الصيني في منطقة المحيطين الهادئ والهندي.

وكشفت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية عن خارطة طريق رسمية لمشروع Jangbogo-N، الذي يهدف إلى إطلاق أول غواصة هجومية نووية كورية جنوبية خلال منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، على أن تدخل الخدمة العملياتية قبل عام 2040. ويمثل المشروع أول برنامج رسمي معلن لبناء غواصات هجومية نووية محلية في تاريخ البحرية الكورية الجنوبية.

ويأتي المشروع الجديد استكمالًا لمسار طويل من تطوير أسطول الغواصات الكوري الجنوبي، الذي بدأ مع غواصات Jang Bogo التقليدية المشتقة من التصميم الألماني Type 209، ثم تطور لاحقًا عبر غواصات Type 214 العاملة بأنظمة الدفع المستقل عن الهواء AIP، وصولًا إلى برنامج KSS-III المحلي المعروف أيضًا باسم Dosan Ahn Changho-class، والذي منح سيؤول قدرات متقدمة في مجال الغواصات الثقيلة المسلحة بالصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات.

ويُنظر إلى مشروع Jangbogo-N باعتباره نقلة نوعية تتجاوز قدرات الغواصات التقليدية العاملة بالديزل والكهرباء، إذ ستوفر الغواصات النووية الجديدة قدرة أكبر على البقاء تحت الماء لفترات طويلة دون الحاجة إلى الصعود أو استخدام أنظمة التنفس، ما يمنح البحرية الكورية الجنوبية قدرة محسنة على تنفيذ مهام الدوريات بعيدة المدى والتتبع والردع البحري المستمر. كما ستتمتع الغواصات الجديدة بسرعة أكبر ومدى عملياتي أوسع مقارنة بالغواصات التقليدية الحالية.

وأكدت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أن المشروع سيعتمد بصورة رئيسية على التقنيات المحلية، بما يشمل أنظمة الدفع النووي ومنظومات تحويل الطاقة والأنظمة القتالية الخاصة بالغواصة، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز الاستقلالية الصناعية والتكنولوجية لكوريا الجنوبية في قطاع الصناعات البحرية العسكرية المتقدمة. كما أشارت التقارير إلى أن الغواصات الجديدة ستستخدم وقودًا نوويًا منخفض التخصيب بما يتوافق مع التزامات سيؤول المتعلقة بمنع الانتشار النووي.

ويحمل المشروع أبعادًا استراتيجية عميقة بالنسبة لكوريا الجنوبية، خاصة مع التوسع المستمر في قدرات كوريا الشمالية البحرية والصاروخية، بما يشمل تطوير صواريخ باليستية تطلق من الغواصات ومنصات بحرية جديدة قادرة على تنفيذ ضربات نووية. وترى سيؤول أن الغواصات النووية ستمنحها قدرة أكبر على مراقبة التحركات البحرية الكورية الشمالية وتنفيذ عمليات ردع واستطلاع بعيدة المدى بصورة أكثر فاعلية.

كما يأتي المشروع في وقت يشهد فيه شرق آسيا سباقًا متصاعدًا في مجال القدرات البحرية تحت سطح الماء، حيث تمتلك الصين وروسيا بالفعل أساطيل غواصات نووية كبيرة، بينما تعمل أستراليا ضمن اتفاقية AUKUS على الحصول على غواصات هجومية نووية مستقبلًا. ويعكس التحرك الكوري الجنوبي إدراكًا متزايدًا لأهمية الغواصات النووية في معادلات الردع البحري الحديثة داخل منطقة الإندو-باسيفيك.

ومن الناحية العملياتية، ستوفر الغواصات النووية الكورية الجنوبية قدرة على تنفيذ دوريات طويلة المدى في المحيط الهادئ وبحر اليابان دون القيود التشغيلية المفروضة على الغواصات التقليدية. كما ستمنح البحرية الكورية الجنوبية مرونة أكبر في تعقب الغواصات المعادية وحماية خطوط الملاحة البحرية الحيوية ومراقبة التحركات العسكرية الإقليمية.

ويرى محللون أن مشروع Jangbogo-N لا يهدف فقط إلى مواجهة كوريا الشمالية، بل يرتبط أيضًا برغبة سيؤول في تعزيز مكانتها البحرية كقوة إقليمية متقدمة تمتلك قدرات بحرية استراتيجية بعيدة المدى. كما أن امتلاك غواصات هجومية نووية سيضع كوريا الجنوبية ضمن مجموعة محدودة جدًا من الدول القادرة على تشغيل هذا النوع من المنصات البحرية المعقدة.

يمثل المشروع دفعة ضخمة لقطاع الصناعات البحرية والعسكرية الكوري الجنوبي، خاصة لشركات مثل Hanwha Ocean وHD Hyundai Heavy Industries، اللتين تمتلكان خبرات متقدمة في بناء الغواصات التقليدية والسفن الحربية الثقيلة. وقد شهدت أسهم شركات بناء السفن الكورية الجنوبية ارتفاعًا ملحوظًا عقب الإعلان عن البرنامج، وسط توقعات بحصول القطاع على استثمارات ضخمة خلال السنوات المقبلة.

كما قد ينعكس المشروع بصورة مباشرة على طموحات كوريا الجنوبية التصديرية في سوق الغواصات العالمية، خاصة بعد النشاط الكبير الذي أظهرته سيؤول خلال السنوات الأخيرة في تسويق غواصاتها التقليدية المتقدمة لعدد من الدول، من بينها كندا وبولندا ودول آسيوية أخرى. وقد استعرضت كوريا الجنوبية بالفعل قدرات غواصات KSS-III في عمليات بعيدة المدى ضمن حملات تسويقية مرتبطة بمناقصات دولية كبرى.

ويثير المشروع أيضًا نقاشات استراتيجية تتعلق بالتوازنات الإقليمية ومستقبل الانتشار النووي في آسيا، حتى مع تأكيد سيؤول أن الغواصات الجديدة ستستخدم وقودًا منخفض التخصيب ولن تمثل خروجًا عن التزاماتها الدولية. ومع ذلك، ينظر بعض المراقبين إلى امتلاك كوريا الجنوبية لقدرات دفع نووي بحري باعتباره تطورًا استراتيجيًا كبيرًا قد يؤثر على البيئة الأمنية في شرق آسيا خلال العقود المقبلة.

وفي السياق الأوسع، يؤكد إطلاق مشروع Jangbogo-N أن كوريا الجنوبية دخلت مرحلة جديدة من تطوير قوتها البحرية، مع انتقال واضح من التركيز على الغواصات التقليدية المتقدمة إلى بناء قدرات بحرية استراتيجية قائمة على الدفع النووي، وهو ما يعكس التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية لمنطقة الإندو-باسيفيك والتنافس المتزايد بين القوى البحرية الكبرى في المنطقة.