أخبار: فرنسا تطلق ثاني فرقاطة FDI لتعزيز التفوق البحري

أعلنت شركة Naval Group الفرنسية للصناعات البحرية العسكرية إطلاق ثاني فرقاطة من فئة Frégate de Défense et d’Intervention (FDI) التابعة للبحرية الفرنسية، والتي تحمل اسم Amiral Louzeau (D661)، وذلك من حوض بناء السفن في مدينة لوريان بإقليم بريتاني الفرنسي، في خطوة تمثل مرحلة جديدة ضمن برنامج التحديث البحري الفرنسي واسع النطاق الهادف إلى إعادة تشكيل القوة القتالية للأسطول الفرنسي خلال العقد المقبل.

ويأتي إطلاق الفرقاطة الجديدة ضمن برنامج استراتيجي أطلقته باريس عام 2015 لبناء خمس فرقاطات FDI لصالح البحرية الفرنسية، بهدف تعويض جزء من الأسطول القديم من فرقاطات La Fayette ورفع قدرات فرنسا في مجالات الدفاع الجوي، والحرب المضادة للغواصات، والسيطرة البحرية، والعمل ضمن تشكيلات الناتو البحرية عالية الكثافة.

وتُعد Amiral Louzeau ثاني سفينة ضمن فئة Amiral Ronarc’h-class، بعد دخول السفينة الأولى Amiral Ronarc’h مراحل الخدمة العملياتية الأولية خلال عام 2025، بينما تخطط فرنسا لاستكمال تسليم السفن الخمس بحلول عام 2032.

اللافت في برنامج FDI أنه لم يعد مجرد مشروع وطني فرنسي، بل تحول تدريجياً إلى منصة بحرية أوروبية متكاملة تحظى باهتمام متزايد من عدة دول أعضاء في الناتو، خاصة بعد اختيار السويد مؤخراً التصميم الفرنسي كأساس لبرنامج فرقاطاتها المستقبلية من فئة Luleå-class، في صفقة ضخمة تتجاوز قيمتها أربعة مليارات دولار.

كما تواصل اليونان بدورها استلام فرقاطات FDI HN المعدلة لصالح البحرية اليونانية ضمن برنامج Kimon-class، حيث تعمل Naval Group حالياً على بناء ثلاث سفن إضافية لليونان بالتوازي مع البرنامج الفرنسي.

ويعكس هذا التوسع التحول المتزايد داخل أوروبا نحو بناء منظومات تسليح بحرية مشتركة قادرة على توحيد أنظمة التشغيل والتسليح والدعم اللوجستي بين جيوش القارة، خصوصاً مع تصاعد التوترات الأمنية في البحر المتوسط والبلطيق وشمال الأطلسي.

تمثل فرقاطات FDI الجيل الجديد من السفن القتالية الفرنسية متعددة المهام، وقد صُممت لتوفير مزيج متوازن بين قدرات الدفاع الجوي، ومكافحة الغواصات، والحرب الإلكترونية، والعمليات السيبرانية، ضمن هيكل متوسط الحجم نسبياً مقارنة بفرقاطات FREMM الأكبر حجماً.

وتبلغ إزاحة السفينة نحو 4500 طن، بطول يصل إلى 122 متراً، بينما تعتمد على منظومة دفع CODAD تعمل بأربعة محركات ديزل MTU بقوة إجمالية تبلغ 32 ميجاوات، تسمح لها بسرعة تصل إلى 27 عقدة بحرية ومدى عملياتي يقارب 5000 ميل بحري.

وتحمل الفرقاطة منظومة القتال الرقمية SETIS 3.0 المطورة من Naval Group، إلى جانب رادار Thales Sea Fire AESA رباعي الأوجه العامل بتقنية المسح الإلكتروني النشط، والذي يُعد من أكثر الرادارات البحرية الأوروبية تطوراً حالياً.

كما تضم السفينة سونار KingKlip Mk2 الهيكلي، وسونار CAPTAS-4 Compact المقطور لمكافحة الغواصات، إضافة إلى أنظمة حرب إلكترونية وخداع حراري وراداري متقدمة، ما يمنحها قدرة عالية على العمل ضمن بيئات التهديد المعقدة والمشبعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

أما التسليح، فيشمل صواريخ Exocet MM40 Block 3C المضادة للسفن، وصواريخ Aster للدفاع الجوي عبر خلايا Sylver العمودية، بالإضافة إلى طوربيدات MU90 ومدافع Narwhal الموجهة عن بعد، مع قدرة على تشغيل مروحيات NH90 أو H160M Guépard وطائرات مسيّرة بحرية.

أحد أبرز التطورات المرتبطة ببرنامج FDI يتمثل في قرار فرنسا مضاعفة حمولة صواريخ Aster على بعض الفرقاطات المستقبلية، في ظل تصاعد المخاوف من هجمات الإغراق الصاروخي والطائرات المسيّرة التي باتت تمثل تهديداً رئيسياً للأساطيل الغربية الحديثة.

ويأتي ذلك بعد الدروس المستخلصة من المواجهات البحرية الأخيرة في البحر الأحمر وشرق المتوسط، حيث أثبتت الهجمات المركبة بالطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة الكلفة قدرتها على استنزاف الدفاعات البحرية التقليدية.

وفي هذا السياق، تسعى باريس إلى تحويل فرقاطات FDI إلى منصات دفاع جوي متقدمة قادرة على العمل ضمن شبكات قتالية متعددة الطبقات، سواء لحماية حاملات الطائرات الفرنسية أو لتأمين الممرات البحرية الاستراتيجية التابعة للناتو.

إطلاق الفرقاطة الجديدة يأتي في توقيت تشهد فيه أوروبا واحدة من أكبر موجات إعادة التسلح البحري منذ نهاية الحرب الباردة، مدفوعة بتصاعد التهديدات الروسية في البلطيق، والاضطرابات الأمنية في المتوسط والبحر الأحمر، والتوسع المتزايد لاستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى في النزاعات الإقليمية.

كما باتت فرقاطات FDI تمثل عنصراً محورياً في الاستراتيجية البحرية الفرنسية الجديدة، خصوصاً مع توسع انتشار البحرية الفرنسية في شرق المتوسط والخليج العربي والمحيطين الأطلسي والهندي.

وخلال الأشهر الماضية، عززت فرنسا وجودها البحري في المتوسط عبر نشر قطع قتالية إضافية لحماية خطوط الملاحة وتأمين المصالح الغربية في مواجهة التوترات الإقليمية المتصاعدة.

في الوقت نفسه، أظهرت التجربة اليونانية مع فرقاطات FDI HN كيف يمكن لهذه المنصة أن تتحول إلى أداة ردع إقليمية فعالة، خاصة بعد نشر الفرقاطة اليونانية Kimon قرب قبرص ضمن ترتيبات دفاعية مرتبطة بالتوترات الإقليمية الأخيرة.

من الناحية الصناعية، يمثل استمرار برنامج FDI انتصاراً مهماً لـ Naval Group داخل سوق الصناعات البحرية العسكرية العالمية، خصوصاً في ظل المنافسة الشرسة مع الشركات الأمريكية والبريطانية والألمانية والكورية الجنوبية.

فالبرنامج لا يقتصر على تلبية احتياجات البحرية الفرنسية فقط، بل يضمن للشركة الفرنسية خطوط إنتاج ممتدة حتى ثلاثينيات القرن الحالي، إضافة إلى فرص تصدير واسعة داخل أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

كما يعزز المشروع موقع فرنسا كواحدة من القوى القليلة القادرة على تصميم وبناء سفن قتالية متكاملة عالية التقنية تشمل أنظمة الرادار، وإدارة المعارك، والحرب الإلكترونية، والتسليح البحري ضمن منظومة وطنية شبه مستقلة.

ومع انضمام السويد واليونان إلى برنامج FDI بصورة مباشرة، يبدو أن باريس نجحت فعلياً في تحويل الفرقاطة الجديدة إلى مشروع أوروبي استراتيجي يتجاوز حدود البحرية الفرنسية، وهو ما قد يفتح الباب مستقبلاً أمام صفقات إضافية مع دول تبحث عن بدائل أوروبية للمنصات الأمريكية التقليدية.

وفي ظل التحولات المتسارعة في البيئة البحرية العالمية، تبدو فرقاطات FDI مرشحة لتصبح واحدة من أهم المنصات القتالية الأوروبية خلال العقد المقبل، خاصة مع تنامي أهمية الدفاع الجوي البحري والحرب الشبكية في النزاعات الحديثة.