كشفت شركة DSIT Solutions الإسرائيلية عن تطوير منظومة متقدمة للكشف والمراقبة البحرية متعددة الطبقات، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام العالمي بتأمين المجال البحري ومواجهة التهديدات المتزايدة تحت سطح البحر، خصوصًا مع الانتشار المتسارع للغواصات غير المأهولة والمركبات البحرية المسيّرة وعمليات التخريب البحري التي باتت تشكل تحديًا متناميًا للقوات البحرية والبنية التحتية الاستراتيجية حول العالم.
تعتمد المنظومة الجديدة التي طورتها DSIT Solutions على مفهوم “Underwater Domain Awareness”، والذي يقوم على إنشاء شبكة متكاملة من أنظمة الاستشعار والسونار تعمل بصورة مترابطة لرصد وتعقب التهديدات تحت سطح البحر في الوقت الحقيقي، بما يشمل الغواصين، والغواصات الصغيرة، والمركبات البحرية غير المأهولة، والأجسام المتحركة منخفضة البصمة الصوتية. ويأتي هذا التطوير في ظل تزايد التحديات الأمنية المرتبطة بحماية الموانئ والقواعد البحرية ومنشآت الطاقة البحرية وخطوط الاتصالات والكابلات البحرية الحيوية.
وتقوم المنظومة على دمج عدة طبقات من أنظمة السونار الثابتة والمتحركة ضمن شبكة موحدة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات المتقدمة، بهدف تحسين القدرة على اكتشاف الأهداف البحرية الصغيرة أو الهادئة التي يصعب رصدها باستخدام الوسائل التقليدية. كما تسمح البنية متعددة الطبقات بتوسيع نطاق التغطية البحرية وتقليل احتمالات اختراق المناطق المحمية، سواء من قبل غواصين بشريين أو مركبات غير مأهولة تعمل تحت الماء.
ويعكس هذا الاتجاه تحولًا متزايدًا داخل الصناعات الدفاعية البحرية نحو بناء شبكات مراقبة ذكية قادرة على إدارة المجال البحري بصورة مستمرة، بدلًا من الاعتماد فقط على السفن الحربية أو الدوريات التقليدية. فمع التطور السريع في تقنيات المركبات البحرية غير المأهولة والغواصات الصغيرة منخفضة التكلفة، أصبحت التهديدات تحت سطح البحر أكثر تعقيدًا وصعوبة في الاكتشاف، خاصة في البيئات الساحلية والممرات البحرية الضيقة التي تشهد كثافة عالية في الحركة البحرية.
وتشير الشركة إلى أن المنظومة الجديدة صُممت للعمل في بيئات تشغيلية مختلفة تشمل حماية الموانئ والقواعد البحرية والمنشآت النفطية البحرية والبنية التحتية الحيوية تحت الماء، إضافة إلى دعم عمليات المراقبة العسكرية والأمنية طويلة المدى. كما يمكن دمج النظام مع شبكات القيادة والسيطرة البحرية لتوفير صورة عملياتية متكاملة تساعد على تسريع عملية اتخاذ القرار والاستجابة للتهديدات المحتملة.
ويأتي الكشف عن هذه المنظومة في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بأمن البنية التحتية البحرية، خصوصًا بعد سلسلة من الحوادث والهجمات التي استهدفت خطوط الطاقة والكابلات البحرية وخطوط الأنابيب خلال السنوات الأخيرة. وقد دفعت هذه التطورات العديد من الدول إلى إعادة تقييم قدراتها الخاصة بالمراقبة البحرية تحت سطح البحر، مع التركيز بصورة متزايدة على أنظمة الاستشعار الثابتة وتقنيات السونار الذكية والمركبات غير المأهولة.
ومن الناحية التقنية، تعتمد فلسفة النظام على الدمج بين السونارات النشطة والسلبية ضمن بنية تشغيلية موحدة، وهو ما يسمح بتحسين القدرة على رصد الأهداف المختلفة وفق طبيعة البيئة البحرية والضوضاء المحيطة. كما تستفيد المنظومة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل الأنماط الصوتية والتمييز بين الأهداف الحقيقية والضوضاء البحرية الطبيعية، وهي مشكلة لطالما واجهت أنظمة السونار التقليدية في البيئات الساحلية المعقدة.
وتحظى تقنيات “Underwater Domain Awareness” باهتمام متزايد من القوات البحرية العالمية، خاصة مع تصاعد استخدام المركبات البحرية غير المأهولة في المهام العسكرية والاستخباراتية وعمليات الاستطلاع البحري. كما أن التطور السريع في مجال الغواصات المسيّرة الصغيرة جعل من الضروري تطوير حلول مراقبة قادرة على العمل بصورة دائمة وبتكلفة أقل مقارنة بالاعتماد الكامل على السفن أو الطائرات البحرية المأهولة.
ومن الناحية الاستراتيجية، يعكس الاستثمار الإسرائيلي في هذا المجال إدراكًا متزايدًا لأهمية السيطرة على المجال البحري تحت سطح البحر باعتباره أحد أهم ميادين الصراع المستقبلية. فمع تزايد الاعتماد العالمي على الكابلات البحرية لنقل البيانات والاتصالات، إضافة إلى تنامي أهمية حقول الغاز والطاقة البحرية في شرق المتوسط ومناطق أخرى، أصبحت حماية البنية التحتية البحرية تمثل أولوية استراتيجية للعديد من الدول.
كما أن التهديدات البحرية الحديثة لم تعد تقتصر على الغواصات التقليدية الكبيرة، بل باتت تشمل وسائل منخفضة التكلفة يصعب اكتشافها، مثل المركبات غير المأهولة والغواصين وأنظمة التخريب البحرية الصغيرة، وهو ما يفرض على القوات البحرية تطوير طبقات مراقبة أكثر كثافة واستمرارية. وفي هذا السياق، تسعى الشركات الدفاعية إلى تقديم حلول تعتمد بصورة أكبر على الأتمتة والذكاء الاصطناعي لتقليل العبء التشغيلي ورفع كفاءة المراقبة البحرية.
ويمنح هذا النوع من الأنظمة شركات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية فرصة لتعزيز حضورها في سوق الأنظمة البحرية الذكية، خاصة مع ارتفاع الطلب العالمي على حلول حماية الموانئ والبنية التحتية تحت الماء. وتُعد DSIT Solutions واحدة من الشركات المتخصصة في تقنيات السونار والمراقبة البحرية، حيث طورت خلال السنوات الماضية عدة حلول مخصصة لحماية المنشآت البحرية والكشف عن التهديدات تحت سطح البحر لصالح جهات عسكرية وأمنية متعددة.
ويرى محللون أن سوق أنظمة المراقبة البحرية تحت الماء مرشح لنمو كبير خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع تصاعد التوترات البحرية الدولية وزيادة الاعتماد على البنية التحتية البحرية الحساسة. كما أن التطورات الجارية في مجالات الذكاء الاصطناعي والمستشعرات البحرية ستدفع نحو بناء شبكات كشف أكثر تطورًا وقدرة على العمل لفترات طويلة دون تدخل بشري مباشر.
ويؤكد الكشف عن المنظومة الجديدة أن سباق التطوير العسكري البحري لم يعد يقتصر على السفن والغواصات والأسلحة التقليدية، بل أصبح يركز بصورة متزايدة على السيطرة المعلوماتية والقدرة على مراقبة المجال البحري تحت سطح البحر بشكل مستمر ودقيق، وهي معادلة يُتوقع أن تلعب دورًا حاسمًا في طبيعة الصراعات البحرية المستقبلية وحماية البنية التحتية الاستراتيجية للدول الساحلية.