في خطوة تعزز مكانة دولة قطر كواحدة من رواد تبني التكنولوجيا العسكرية المستقلة في المنطقة، أعلنت القوات البحرية الأميرية القطرية عن البدء الرسمي لعمليات الانتشار الميداني للمنصات البحرية غير المأهولة من طراز ULAQ USV المسلحة، وذلك ضمن مهام تأمين الموانئ والمنشآت الحيوية للدولة. يأتي هذا الإعلان تزامناً مع فعاليات معرض ومؤتمر الدوحة الدولي للدفاع البحري (DIMDEX 2026)، ليمثل تحولاً نوعياً من مرحلة الاختبارات التقنية إلى مرحلة التشغيل العملياتي الكامل في بيئة بحرية معقدة.
عد منظومة ULAQ USV ثمرة تعاون استراتيجي وتقني رفيع المستوى بين شركتي ARES Shipyard و Meteksan Defense التركيتين، وقد صُممت لتكون منصة متعددة المهام قادرة على العمل بشكل مستقل تماماً أو من خلال التحكم عن بعد من مراكز قيادة برية أو من على متن سفن حربية.
تتميز النسخة التي بدأت قطر في تشغيلها بقدرات تسليحية متطورة، حيث تم دمج منصة إطلاق صواريخ من طراز YALMAN التي تنتجها شركة ROKETSAN، والتي يمكن تزويدها بصواريخ CİRİT الموجهة بالليزر وصواريخ L-UMTAS المضادة للدبابات والمعدلة للعمل البحري. هذا التسليح يمنح القوات البحرية القطرية القدرة على تحييد الأهداف المعادية السريعة والزوارق الانتحارية قبل وصولها إلى الأهداف الحيوية بمسافات آمنة، مدعومة بنظام ملاحة متطور يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتجنب الاصطدام والعمل في ظروف جوية وبحرية قاسية.
من الناحية الاستراتيجية، يمثل نشر ULAQ USV في الموانئ القطرية استجابة استباقية للتحولات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز. فالموانئ القطرية، وعلى رأسها ميناء حمد ومحطات تصدير الغاز الطبيعي المسال، تمثل الرئة الاقتصادية للدولة ومصدراً رئيسياً للطاقة العالمية.
إن استخدام المنصات البحرية غير المأهولة يغير مفهوم "أمن الموانئ" من الدفاع الساكن إلى الدفاع النشط والذكي. فبدلاً من الاعتماد الكلي على الرادارات الأرضية أو الدوريات البشرية المجهدة، توفر ULAQ USV حائط صد متحرك يعمل على مدار الساعة بتكلفة تشغيلية أقل وكفاءة استطلاعية أعلى. هذه المنظومات تعمل كـ "مضاعف للقوة" (Force Multiplier)، حيث يمكن لمجموعة صغيرة من المشغلين من مركز قيادة واحد إدارة أسطول من المنصات البحرية غير المأهولة لتغطية مساحات شاسعة، مما يقلل المخاطر على العنصر البشري في حالات الاشتباك المباشر.
علاوة على ذلك، فإن دمج هذه المنظومات في بنية القيادة والسيطرة القطرية يعزز من مفهوم "الوعي بالمجال البحري" (Maritime Domain Awareness)، حيث ترتبط الحساسات الكهروبصرية والرادارات الموجودة على متن ULAQ بشبكة الدفاع الوطنية، مما يوفر صورة استخباراتية حية ودقيقة لصناع القرار.
على الصعيد العالمي، يرسل نشر قطر العملياتي لمنظومات ULAQ USV رسالة مدوية لمصنعي الأسلحة والمخططين العسكريين. نحن نشهد الآن بداية نهاية عصر الاعتماد الحصري على السفن الحربية الضخمة والمكلفة لحماية السواحل والموانئ.
أولاً، يؤكد هذا الخبر نجاح النموذج التركي في تصدير التقنيات الدفاعية عالية التعقيد، مما يضع شركة ARES Shipyard و Meteksan Defense في صدارة المنافسين العالميين لشركات الدفاع الأمريكية والأوروبية في قطاع الأنظمة غير المأهولة. إن "الأداء الميداني الموثق" في قطر سيكون بمثابة شهادة اعتماد دولية تجذب اهتمام دول أخرى تسعى لتأمين حدودها البحرية بوسائل تكنولوجية حديثة.
ثانياً، سيؤدي هذا التحول إلى تسريع وتيرة السباق التكنولوجي في تطوير أنظمة مضادة للمسيرات البحرية (Counter-USV). فكما أحدثت الدرونات الجوية ثورة في الحروب البرية، فإن دخول ULAQ USV الخدمة الفعلية يفرض على الشركات العالمية تطوير خوارزميات جديدة للكشف والتشويش والاعتراض لمواجهة هذا النوع من التهديدات غير المتماثلة.
ثالثاً، يتوقع أن يشهد سوق "الأمن البحري الذكي" نمواً هائلاً، حيث ستسعى الشركات الكبرى مثل Thales و Safran و Northrop Grumman لتطوير منصات مشابهة أو الدخول في شراكات لدمج حساساتها على منصات موجودة بالفعل. لقد أثبتت قطر اليوم أن المستقبل للمنصات التي تجمع بين صغر الحجم، وقوة النيران، والذكاء الاصطناعي، وهو ما سيعيد تشكيل ميزانيات المشتريات الدفاعية البحرية في العقد القادم.