أعلنت شركة Kongsberg النرويجية وشركة DRASS الإيطالية توقيع شراكة استراتيجية تهدف إلى تطوير جيل جديد من الأنظمة الدفاعية البحرية المتقدمة، مع التركيز على المنصات غير المأهولة تحت الماء، وأنظمة الاستخبارات والاستطلاع البحرية، وقدرات التشغيل المشترك بين المنصات المأهولة وغير المأهولة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه البحار والمحيطات تحولات متسارعة جعلت من الحرب تحت السطح أحد أكثر ميادين المنافسة العسكرية حساسية بين القوى الكبرى.
وجرى توقيع الاتفاق في روما بحضور مسؤولين من الجانبين، حيث يهدف التعاون إلى تبادل التقنيات والأنظمة والحمولات التشغيلية والبنى المعمارية الخاصة بالعمليات البحرية، بما يسمح بتطوير حلول متقدمة تستفيد من نقاط القوة التي تمتلكها كل شركة في مجالها التخصصي. ووفقاً للبيانات الصادرة عن الطرفين، فإن الشراكة تستهدف بناء منظومات بحرية أكثر استقلالية وقدرة على العمل في البيئات المعقدة، سواء في المياه الساحلية أو في أعماق البحار البعيدة.
ويعكس هذا التعاون اتجاهاً عالمياً متسارعاً نحو الاعتماد على الأنظمة غير المأهولة تحت الماء، وهي فئة من المنصات العسكرية تشهد نمواً كبيراً نتيجة التطورات المتلاحقة في مجالات الذكاء الاصطناعي والاستشعار والروبوتات البحرية. وقد أصبحت هذه الأنظمة تحظى بأهمية متزايدة لدى القوات البحرية الكبرى بسبب قدرتها على تنفيذ مهام طويلة المدى مع تقليل المخاطر على الأطقم البشرية وخفض تكاليف التشغيل مقارنة بالمنصات التقليدية.
وبموجب الاتفاق الجديد، سيركز الطرفان على تطوير منظومات Unmanned Underwater Vehicles (UUVs)، إضافة إلى حلول Maritime Intelligence, Surveillance and Reconnaissance (ISR) الخاصة بالاستخبارات والاستطلاع والمراقبة البحرية، إلى جانب تقنيات Manned-Unmanned Teaming (MUM-T) التي تسمح بتشغيل المنصات المأهولة وغير المأهولة ضمن شبكة عملياتية واحدة. ويُنظر إلى هذه المجالات باعتبارها من أكثر القطاعات نمواً في سوق الصناعات البحرية العسكرية العالمية خلال السنوات المقبلة.
وتدخل Kongsberg إلى هذا المشروع وهي تمتلك واحدة من أكثر الخبرات تقدماً في العالم في مجال المنصات غير المأهولة تحت الماء. فقد طورت الشركة خلال السنوات الماضية عائلة HUGIN الشهيرة من الغواصات الذاتية غير المأهولة، والتي تستخدم في مهام الاستطلاع البحري ورسم الخرائط وكشف الألغام وحماية المنشآت الحيوية البحرية. كما تتمتع الشركة بخبرة واسعة في مجالات السونار والملاحة والاستشعار البحري ودمج الأنظمة المعقدة ضمن منصات متكاملة.
في المقابل، تمتلك DRASS قاعدة تكنولوجية مختلفة ولكنها مكملة لقدرات الشريك النرويجي. فالشركة الإيطالية تُعد من أبرز المؤسسات الأوروبية العاملة في مجال الغواصات الصغيرة والمنصات البحرية الخاصة بالقوات الخاصة، كما طورت تقنيات متقدمة تشمل أنظمة البطاريات المقاومة للضغط العالي والمناظير الكهروبصرية المدمجة وحلول دمج الحمولات الخاصة بالمنصات البحرية المتقدمة. وتتمتع الشركة بتاريخ طويل في تطوير الأنظمة المرتبطة بعمليات الإنقاذ البحري والغوص العسكري والعمليات الخاصة.
وتشير التصريحات الصادرة عن مسؤولي الشركتين إلى أن الهدف النهائي للشراكة يتجاوز مجرد تطوير منصات جديدة، إذ يسعى الطرفان إلى إنشاء بيئة تشغيلية متكاملة تربط بين الغواصات المأهولة الصغيرة التي تطورها DRASS والمنصات البحرية غير المأهولة التابعة لـ Kongsberg، بما يسمح بتبادل البيانات والمهام بصورة فورية داخل شبكة عملياتية موحدة. ويمثل هذا المفهوم أحد أبرز الاتجاهات الحديثة في الحرب البحرية، حيث تتجه القوات المسلحة إلى توزيع المهام بين منصات متعددة بدلاً من الاعتماد على منصة واحدة ضخمة ومكلفة.
ويأتي الإعلان عن هذه الشراكة في وقت تشهد فيه البحار والمحيطات تصاعداً ملحوظاً في الأهمية الاستراتيجية. فالهجمات التي استهدفت خطوط الطاقة البحرية والبنية التحتية تحت الماء خلال السنوات الأخيرة دفعت العديد من الدول إلى الاستثمار بكثافة في تقنيات المراقبة والاستشعار البحرية. كما أن شبكات الكابلات البحرية التي تنقل الجزء الأكبر من بيانات الإنترنت العالمية أصبحت تمثل هدفاً استراتيجياً بالغ الحساسية، ما رفع من الطلب على المنصات القادرة على تنفيذ مهام المراقبة والحماية في الأعماق.
تمنح الأنظمة غير المأهولة تحت الماء مزايا يصعب توفيرها بواسطة الغواصات التقليدية. فهي تستطيع البقاء لفترات طويلة في مناطق العمليات، والعمل بصمت كبير، وجمع كميات ضخمة من المعلومات الاستخباراتية دون تعريض أطقم بشرية للخطر. كما يمكن استخدامها في مهام كشف الألغام، والاستطلاع الساحلي، ومراقبة التحركات البحرية، وتأمين البنية التحتية الحيوية تحت سطح البحر.
كما تعكس الشراكة تحولاً أوسع داخل الصناعة الدفاعية الأوروبية نحو بناء تحالفات عابرة للحدود لمواجهة المنافسة المتزايدة من الولايات المتحدة والصين. فالمشروعات البحرية الحديثة أصبحت أكثر تعقيداً وتكلفة، ما يدفع الشركات الأوروبية إلى دمج خبراتها وقدراتها التقنية من أجل تطوير منتجات قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية والحصول على عقود التصدير الكبرى.
واستراتيجياً، يكشف الاتفاق عن إدراك متزايد داخل أوروبا بأن السيطرة على المجال تحت البحري ستصبح أحد العناصر الحاسمة في الصراعات المستقبلية. فبينما حظيت القوات الجوية والفضائية باهتمام واسع خلال العقدين الماضيين، بدأت الأنظار تتجه بصورة متزايدة إلى الأعماق البحرية باعتبارها ميداناً جديداً للمنافسة الاستراتيجية. ومن المتوقع أن تلعب الغواصات غير المأهولة والأنظمة الذاتية دوراً مركزياً في هذه البيئة، تماماً كما لعبت الطائرات المسيّرة دوراً محورياً في إعادة تشكيل الحرب الجوية والبرية.
إن الشراكة بين Kongsberg وDRASS تمثل أكثر من مجرد اتفاق صناعي بين شركتين أوروبيتين، بل تعكس توجهاً استراتيجياً نحو بناء جيل جديد من القدرات البحرية يعتمد على الدمج بين الذكاء الاصطناعي والاستشعار المتقدم والمنصات غير المأهولة. ومع تزايد أهمية حماية البحار والبنية التحتية البحرية وخطوط الاتصال العالمية، قد تصبح هذه التقنيات أحد أبرز محركات سوق الصناعات الدفاعية البحرية خلال السنوات القادمة، في وقت تتسابق فيه القوى الكبرى لتأمين موطئ قدم متقدم في ساحة الحرب تحت الماء.