بدأ الجيش الأسترالي إدخال أول بطارية عملياتية من مدافع AS9 Huntsman ذاتية الحركة عيار 155 ملم إلى الخدمة، في خطوة تمثل تحولًا مهمًا في قدرات المدفعية الأسترالية، مع انتقال القوات من الاعتماد بصورة رئيسية على المدافع المقطورة M777A2 إلى منظومة مجنزرة محمية وقادرة على إطلاق النيران ثم تغيير موقعها بسرعة. وتم نشر البطارية الأولى لدى 106 Battery التابعة للفوج الرابع، المدفعية الملكية الأسترالية، في قاعدة Lavarack Barracks بمدينة Townsville، ضمن اللواء الثالث، لتوفر للقوات قدرة نيرانية متحركة تستطيع العمل بالتوازي مع التشكيلات المدرعة والميكانيكية.
وتتكون البطارية الأولى من 6 مدافع AS9 Huntsman، مدعومة بـ3 مركبات AS10 لإعادة إمداد الذخيرة، لتشكل بذلك أول بطارية مكتملة من هذا النظام داخل اللواء الثالث. ومن المقرر أن تنتقل البطاريتان المتبقيتان في الفوج الرابع إلى التكوين نفسه بحلول نهاية عام 2027، بحيث يرتفع عدد المدافع في البطارية من أربعة مدافع M777A2 إلى ستة مدافع AS9. ويعكس هذا التغيير توجه الجيش الأسترالي إلى بناء قوة مدفعية أكثر قدرة على الحركة والحماية والاستمرار في العمل ضمن بيئة قتالية عالية الكثافة.
وتأتي هذه الخطوة ضمن برنامج LAND 8116 Phase 1 Protected Mobile Fires، الذي يمثل مشروع أستراليا لإعادة بناء قدراتها في مجال المدفعية ذاتية الحركة. وكانت الحكومة الأسترالية قد أعلنت في مايو 2019 توجهها لإعادة إدخال المدفعية ذاتية الحركة إلى هيكل القوات، قبل إسناد العقد إلى Hanwha Defense Australia في ديسمبر 2021. ويشمل البرنامج الحصول على 30 مدفع AS9 Huntsman و15 مركبة AS10 لإعادة إمداد الذخيرة. وبلغت قيمة العقد الأولية نحو 1.017 مليار دولار أسترالي، بينما تضع وثائق الميزانية الدفاعية الحالية الإنفاق المعتمد للبرنامج عند نحو 1.326 مليار دولار أسترالي.
ويستند AS9 Huntsman إلى المدفع الكوري الجنوبي K9 Thunder، لكنه يتضمن تعديلات مخصصة للمتطلبات الأسترالية والبيئة التشغيلية المحلية. ويستخدم النظام مدفعًا عيار 155 ملم بطول سبطانة يبلغ 52 عيارًا، مع قدرة على حمل 48 قذيفة داخل المنصة. كما يستطيع إطلاق ثلاث قذائف في نحو 15 ثانية، مع معدل نيران مستمر يتراوح بين 6 و8 قذائف في الدقيقة خلال فترات الرمي المكثف.
وتوفر هذه القدرات للجيش الأسترالي كثافة نيرانية أعلى من المدافع المقطورة التي كانت تعتمد عليها وحدات المدفعية في Townsville، إلى جانب تقليل الزمن المطلوب للانتقال من الحركة إلى إطلاق النار. ويمكن للمدفع AS9 التوقف والاستعداد للرمي خلال أقل من دقيقة أثناء الحركة، أو خلال نحو 30 ثانية عندما يكون متوقفًا بالفعل، بينما يستطيع بعد إطلاق آخر قذيفة مغادرة الموقع مباشرة. وتكتسب هذه القدرة أهمية كبيرة في مواجهة أنظمة الاستطلاع الحديثة، خصوصًا رادارات تحديد مصادر النيران والطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة.
وهنا تظهر إحدى أهم الفوارق بين AS9 Huntsman والمدفع M777A2. فالأخير يتميز بخفة الوزن وإمكانية نقله جوًا، ما يجعله مناسبًا لبعض المهام التي تتطلب انتشارًا استراتيجيًا سريعًا، لكنه يعتمد على إجراءات أكثر ارتباطًا بالعمل اليدوي، كما يكون الطاقم أكثر تعرضًا أثناء تجهيز المدفع للرمي وإعادة تزويده بالذخيرة ثم تغيير موقعه. أما AS9 فينقل المدفعية إلى منصة مجنزرة محمية يمكنها مواكبة الوحدات الميكانيكية والمدرعة بدل العمل من مواقع أكثر ثباتًا.
وتحمل الحماية أهمية خاصة في بيئة القتال الحديثة، إذ لم تعد المدفعية بعيدة عن الخطر بمجرد وجودها خلف الخطوط الأمامية. فالطائرات المسيّرة ومنظومات تحديد مصادر النيران تستطيع اكتشاف مواقع المدفعية خلال فترة قصيرة، بينما يمكن للمدفعية المعادية تنفيذ ضربات مضادة بصورة شبه فورية. ولذلك أصبحت قدرة المنظومة على تقليص دورة الرصد ثم الرمي ثم تغيير الموقع عنصرًا رئيسيًا في بقائها.
ويعني ذلك أن قيمة AS9 Huntsman لا تتحدد فقط بمدى المدفع أو معدل إطلاق النار، وإنما بقدرتها على تنفيذ المهمة كاملة ثم الابتعاد عن الموقع قبل أن يتمكن الخصم من تحديد الإحداثيات وتنفيذ ضربة مضادة. وهذه القدرة تمنح المدفعية الأسترالية مستوى أعلى من المرونة التكتيكية مقارنة بالمدافع المقطورة، خصوصًا في بيئة تزداد فيها كثافة وسائل الاستطلاع الجوي.
وتحصل المنظومة كذلك على ميزة مهمة من خلال AS10، وهي مركبة مدرعة مخصصة لإعادة إمداد المدافع بالذخيرة. وتستند AS10 إلى التصميم الكوري الجنوبي K10، ويمكنها حمل ما يصل إلى 104 قذائف، مع استخدام نظام ناقل يربط مركبة الإمداد مباشرة بالمدفع. ووفق المعلومات الصادرة عن الجيش الأسترالي، يمكن إعادة تزويد مدفع AS9 بالذخيرة بالكامل في نحو 20 دقيقة.
كما خضعت النسخة الأسترالية من AS9 لتعديلات تشمل زيادة الارتفاع الداخلي، وتحديث أنظمة إدارة النيران، وإضافة مساحات تخزين، ونظام تكييف هواء يتناسب مع ظروف التشغيل المحلية. وشملت الاختبارات كذلك دمج الذخائر الأسترالية عيار 155 ملم والتحقق من توافق النظام مع Advanced Field Artillery Tactical Data System (AFATDS) المستخدم في حساب وتنظيم مهام النيران.
ويمثل دمج نظام إدارة النيران عنصرًا مهمًا في انتقال المدفعية الأسترالية من نموذج المدفعية التقليدية إلى نموذج المدفعية الرقمية. ففي هذا النموذج، لا تعمل المنصة باعتبارها مدفعًا منفردًا، وإنما كجزء من شبكة تتلقى فيها معلومات الأهداف وتنفذ مهام الرمي بناءً على بيانات يتم توزيعها عبر منظومة القيادة والسيطرة.
ويظهر هنا أحد أهم الأهداف التي دفعت أستراليا إلى اختيار منظومة من عائلة K9، وهي توفير مزيج من القوة النيرانية والحماية والحركة. وقد أثبت التصميم الأساسي نفسه لدى عدد من القوات المسلحة، بينما تسمح النسخة الأسترالية بتكييف المنصة مع احتياجات الجيش الأسترالي وبيئته التشغيلية.
كما أن تصنيع الجزء الأكبر من الأسطول داخل أستراليا يمثل عنصرًا مهمًا في البرنامج. فقد تم تصنيع مدفعين AS9 ومركبة AS10 واحدة من الدفعة الأولى في كوريا الجنوبية، بينما يجري تجميع بقية المنظومات في منشأة Hanwha Armoured Vehicle Centre of Excellence بالقرب من Geelong. ويمنح ذلك أستراليا قاعدة صناعية محلية لإنتاج المنظومة ودعمها وصيانتها، بدل الاعتماد الكامل على الإمداد الخارجي.
ويكتسب التصنيع المحلي أهمية أكبر في ظل الدروس التي فرضتها الحروب الحديثة على سلاسل الإمداد الدفاعية. فالقدرة على إنتاج وصيانة المعدات محليًا تمنح القوات المسلحة مرونة أكبر في الحفاظ على الجاهزية، كما تقلل من المخاطر المرتبطة بتعطل النقل الدولي أو محدودية توافر قطع الغيار.
كما يمكن للقاعدة الصناعية المحلية أن توفر في المستقبل قدرة على إجراء تحديثات على المنظومة وفق المتطلبات الأسترالية، سواء في مجالات الاتصالات وإدارة النيران أو الحماية أو التكامل مع الذخائر المحلية. وهذا يحول البرنامج من عملية شراء محدودة إلى استثمار طويل الأمد في القدرة الصناعية الدفاعية.