في مراسم عسكرية مهيبة احتضنتها ساحة الاختبارات العسكرية في "مونتيليبريتي" بالقرب من العاصمة روما، سجلت إيطاليا منعطفاً تاريخياً في مسار تحديث قواتها البرية. ففي يوم 27 يناير 2026، تسلم الجيش الإيطالي رسمياً الدفعة الأولى المكونة من 4 مركبات قتال مشاة من طراز Lynx KF41، من إنتاج المشروع المشترك العملاق Leonardo Rheinmetall Military Vehicles (LRMV). لا تمثل هذه الخطوة مجرد إضافة تقنية لترسانة روما، بل هي تدشين لبرنامج تحديث أنظمة القتال المدرعة للجيش، المعروف اختصاراً ببرنامج A2CS (Army Armoured Combat System)، والذي يهدف إلى إعادة صياغة العقيدة القتالية الإيطالية لتتناسب مع تحديات حروب الجيل الخامس.
تعد هذه التسليمات ثمرة للتحالف الاستراتيجي الذي أُبرم في أواخر عام 2024 بين شركة Leonardo الإيطالية وشركة Rheinmetall الألمانية. وتعتزم إيطاليا، عبر هذا المشروع، الاستحواذ على إجمالي 1,050 مركبة من طراز Lynx بمختلف تنويعاتها، في صفقة تقدر قيمتها الإجمالية بنحو 15 مليار يورو، كجزء من مظلة استثمارية دفاعية أوسع تصل إلى 20 مليار يورو تشمل أيضاً دبابات القتال الرئيسية KF51 Panther.
تتضمن الدفعة الأولى المسلمة نظام البرج Lance 30mm من إنتاج Rheinmetall، إلا أن التخطيط الاستراتيجي للصفقة يقضي بأن يتم تزويد الدفعات اللاحقة (بدءاً من المركبة رقم 22 وما بعدها) ببرج Hitfist 30mm المتطور الذي تطوره شركة Leonardo محلياً، مع دمج مدفع X-Gun عيار 30 ملم، مما يضمن سيادة صناعية إيطالية بنسبة تتجاوز 60% من القيمة المضافة للمشروع.
تعتبر المدرعة Lynx KF41 قمة ما توصلت إليه تكنولوجيا المركبات المجنزرة في العالم، حيث صُممت لتكون منصة مرنة وقابلة للتكيف (Scalable):
- الحماية الفائقة: تعتمد المركبة على دروع نمطية (Modular Armour) توفر حماية من المستوى الأعلى لحلف الناتو ضد الصواريخ المضادة للدروع، العبوات الناسفة، وشظايا المدفعية.
- القدرة النيرانية والذكاء: بفضل نظام إدارة النيران الرقمي، يمكن لـ Lynx التعامل مع أهداف متعددة في وقت واحد، مع إمكانية إطلاق قذائف ABM (المنفجرة جواً) الفعالة ضد المسيرات، ودمج قاذفات صواريخ Spike LR2 المضادة للدبابات.
- الوعي الظرفي الشامل: الطائرة مزودة بنظام رؤية 360 درجة، ومستشعرات كهروبصرية متقدمة تتيح للطاقم (المكون من 3 أفراد + 8 جنود مشاة) رؤية واضحة في كافة الظروف الجوية والبيئات القتالية المعقدة.
- الهندسة الرقمية: تتميز المدرعة ببنية هندسية مفتوحة تتيح ربطها بالكامل بشبكة القيادة والسيطرة الوطنية، مما يحولها إلى "عقدة" معلوماتية في ساحة المعركة الرقمية.
تحمل هذه الصفقة دلالات جيوسياسية عميقة تتجاوز الحدود الإيطالية، وتضع روما في قلب المعادلة الأمنية الأوروبية:
أولاً: إنهاء التجزئة الدفاعية: تمثل الشراكة بين Leonardo و Rheinmetall نموذجاً لما تطالب به بروكسل دائماً: "الاندماج الصناعي". فبدلاً من تطوير أنظمة وطنية منعزلة، قررت إيطاليا وألمانيا توحيد الجهود لإنشاء قطب دفاعي بري قادر على منافسة الشركات الأمريكية والآسيوية، مما يعزز من مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي".
ثانياً: التحول الجذري في القوة البرية: بتبني نظام A2CS، ينتقل الجيش الإيطالي من قوة تعتمد على منصات متقادمة (مثل مدرعات Dardo) إلى قوة "مشتبكة رقمياً". هذا التحول يرفع من كفاءة التنسيق بين القوات البرية والجوية والمسيرات، وهو ما يُعرف بـ "القتال متعدد النطاقات" (Multi-Domain Operations).
إن ضخامة الطلب الإيطالي (أكثر من 1000 مركبة) تعطي دفعة هائلة لبرنامج Lynx في السوق العالمي. فبعد نجاحها في المجر، والآن في إيطاليا، أصبحت Lynx المعيار الجديد لمدرعات المشاة في القرن الحادي والعشرين. هذا النجاح سيضع ضغوطاً تنافسية كبيرة على برامج مدرعة أخرى مثل CV90 السويدية أو Puma الألمانية.
علاوة على ذلك، فإن نجاح نموذج "الإنتاج المحلي المشترك" (Co-production) الذي تطبقه إيطاليا مع Rheinmetall سيصبح نموذجاً تحتذي به الدول المتوسطة والكبرى التي تسعى لتحديث جيوشها مع ضمان توطين التكنولوجيا. هذا التوجه سيؤدي إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، حيث سينتقل التركيز من "شراء المنتج الجاهز" إلى "بناء القدرات الصناعية المشتركة".