في خطوة تاريخية تُنهي عقوداً من الاعتماد على التقنيات الأجنبية في أنظمة الدفع الثقيلة، أعلنت إدارة برنامج الاستحواذ الدفاعي الكورية الجنوبية "DAPA" عن توقيع عقد الإنتاج الضخم للمحرك المحلي الصنع المخصص للدبابة القتالية الرئيسية "K2 Black Panther". هذا العقد، الذي أُبرم مع شركة "HD Hyundai Infracore"، يمثل المرحلة النهائية من مشروع وطني طموح استهدف استبدال المحركات الألمانية التي كانت تشغل النسخ السابقة من الدبابة، لتدخل "K2" بذلك عصر الاستقلال التكنولوجي الكامل بمحرك كوري 100%.
تبلغ قيمة هذا العقد حوالي 194.3 مليار وون كوري (ما يعادل 146 مليون دولار أمريكي)، ويهدف إلى تزويد الدفعة الرابعة من دبابات "K2 Black Panther" بالمحرك المحلي الجديد بقدرة 1500 حصان. هذا المحرك، الذي خضع لاختبارات متوازنة وقاسية امتدت لآلاف الساعات في ظروف مناخية وتضاريسية متنوعة، أثبت كفاءة عالية في نقل القوة الحركية "Powertrain"، مما يمنح الدبابة الكورية ميزة تنافسية كبرى من حيث القدرة على المناورة "Mobility" والسرعة في أرض المعركة.
لم يكن الوصول إلى هذه اللحظة سهلاً؛ فقد بدأت كوريا الجنوبية مشروع تطوير محرك الدبابة "K2" منذ عام 2005، واجهت خلالها الصناعة الدفاعية الكورية تحديات تقنية معقدة، لاسيما في نظام نقل الحركة "Transmission". وعلى الرغم من أن الدبابة كانت تستخدم في بداياتها محركات من إنتاج شركة "MTU" الألمانية، إلا أن الطموح الكوري كان يهدف دائماً إلى كسر قيود تراخيص التصدير المرتبطة بالتقنيات الأجنبية.
بحلول عام 2024، نجحت "HD Hyundai Infracore" في تجاوز كافة العقبات التقنية، وحصل المحرك على الاعتماد النهائي بعد اجتيازه اختبارات الموثوقية التشغيلية "Operational Reliability". إن العقد الحالي لإنتاج الدفعة الرابعة لا يقتصر فقط على تزويد الجيش الكوري الجنوبي "ROK Army" بالدبابات، بل يضع حجر الزاوية لمستقبل الصادرات الدفاعية الكورية التي لم تعد مقيدة بشروط "دول المنشأ" الأوروبية.
من الناحية الاستراتيجية، يحمل هذا الخبر دلالات عميقة تتجاوز مجرد إنتاج محرك ميكانيكي:
أولاً: الاستقلال الكامل عن قيود التصدير (End-Use Monitoring): إن الاعتماد على المحركات الألمانية كان يضع سيول دائماً تحت رحمة القوانين الألمانية الصارمة بشأن تصدير الأسلحة لمناطق النزاع. بامتلاك المحرك المحلي، أصبحت كوريا الجنوبية "سيدة قرارها" في تصدير "K2 Black Panther" لأي وجهة تختارها، مما يعزز من مرونتها السياسية والدبلوماسية كقوة دفاعية صاعدة.
ثانياً: تعزيز عقيدة الردع البري: في ظل التهديدات المستمرة من الجارة الشمالية، والتوترات المتصاعدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يضمن المحرك المحلي استمرارية سلاسل التوريد في حالة وقوع نزاع شامل. إن القدرة على تصنيع وصيانة "قلب" الدبابة محلياً تعني استدامة قتالية "Sustainability" لا تتأثر بالمتغيرات اللوجستية الدولية.
ثالثاً: التفوق التكنولوجي في التصنيع الثقيل: يضع هذا الإنجاز كوريا الجنوبية ضمن نادٍ نخبوي جداً من الدول القادرة على تصميم وتصنيع محركات الديزل عالية الأداء للمركبات المدرعة الثقيلة. هذا التراكم المعرفي سيُستخدم حتماً في مشاريع مستقبلية مثل المركبات القتالية للمشاة "Infantry Fighting Vehicles" والجيل القادم من الدبابات "K3".
يُحدث التحول الكوري نحو المحرك المحلي زلزالاً في سوق السلاح العالمي، وتحديداً في قطاع المدرعات الثقيلة:
- تهديد الهيمنة الأوروبية: لعقود طويلة، كانت الشركات الألمانية مثل "MTU" و"Rheinmetall" تسيطر على سوق محركات الدبابات في العالم. دخول المحرك الكوري بأسعار تنافسية وأداء مماثل يكسر هذا الاحتكار، ويقدم للدول الطامحة للحصول على دبابات متطورة بديلاً قوياً لا يحمل "التعقيدات البيروقراطية" المرتبطة بالاتحاد الأوروبي.
- تعزيز "صفقة القرن" مع بولندا: تعتبر بولندا أكبر مشترٍ أجنبي للدبابة "K2" عبر برنامج "K2PL". إن نجاح المحرك المحلي سيسرع من عملية نقل التقنية "Technology Transfer" إلى وارسو، وربما يؤدي إلى إنشاء خط إنتاج للمحركات الكورية في قلب أوروبا، مما يجعل "K2 Black Panther" الدبابة القياسية الجديدة للجناح الشرقي لحلف "NATO".
- تغيير ديناميكيات المنافسة مع "Abrams" و"Leopard": مع تكامل المحرك المحلي، تصبح "K2" أرخص تكلفة في التشغيل والصيانة مقارنة بـ "M1A2 Abrams" الأمريكية المستهلكة للوقود بشراهة، وأكثر مرونة في التصدير من "Leopard 2" الألمانية. هذا التوازن بين "السعر، الأداء، وحرية التصدير" سيجعل الدبابة الكورية الخيار الأول في مناقصات دول الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.
إن إعلان كوريا الجنوبية عن الإنتاج الضخم لمحرك "K2 Black Panther" المحلي هو إعلان عن بلوغ "الرشد الصناعي" العسكري. لم تعد سيئول مجرد مجمّع للتقنيات الغربية، بل أصبحت مبتكراً ومصنعاً أصيلاً ينافس الكبار في عقر دارهم. هذا المحرك ليس مجرد قطع حديدية متشابكة، بل هو "نبض السيادة" الذي سيحمل الدبابة الكورية إلى ميادين القتال والأسواق العالمية لسنوات طويلة قادمة.