في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خارطة القدرات الصاروخية في القارة العجوز، أعلنت شركة Rheinmetall الألمانية، عبر ذراعها الإسبانية Rheinmetall Expal Munitions، وبالتعاون مع مجموعة EM&E Group (المعروفة سابقاً باسم Escribano Mechanical & Engineering)، عن تقديم مقترح تقني متكامل لوزارة الدفاع الإسبانية لتطوير وإنتاج نظام مدفعية صاروخية وطني عالي الحركة تحت برنامج SILAM (Sistema Lanzador de Alta Movilidad).
ويأتي هذا الإعلان، المؤرخ في منتصف يناير 2026، ليمثل استجابة مباشرة لقرار الحكومة الإسبانية الصادر في أواخر عام 2025 بإلغاء التعاقدات السابقة التي كانت تعتمد على تكنولوجيا إسرائيلية (نظام PULS)، مفضلةً التوجه نحو "الحلول السيادية" التي تضمن استقلالية القرار العسكري وتوطين التكنولوجيا الدفاعية بالكامل داخل حدود الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (NATO).
المقترح الذي قدمه التحالف الصناعي UTE SILAM لا يقتصر على توريد معدات، بل يطرح نموذجاً للتعاون الدفاعي المستدام. ويتضمن العرض مراحل تطويرية وإنتاجية متسلسلة تشمل:
- Operational and Test Launchers: تزويد الجيش الإسباني بمنصات إطلاق تشغيلية واختبارية تعتمد على تقنيات وطنية.
- Guided and Training Rockets: تطوير وإنتاج صواريخ موجهة عالية الدقة محلياً، بالإضافة إلى ذخائر تدريبية متوافقة.
- Support Vehicles: توفير مركبات الاستطلاع (Reconnaissance Vehicles) ومراكز القيادة المتنقلة (Command Post Vehicles)، مما يخلق منظومة قتالية متكاملة.
- Life Cycle Control: ضمان السيطرة الوطنية الكاملة على دورة حياة النظام، من التصميم وحتى الصيانة والتحديثات المستقبلية.
ويعتمد النظام المقترح على خبرات Rheinmetall الواسعة في منصات الإطلاق ومنظومات النيران البعيدة، ومن المتوقع أن يستفيد من شاسيه الشاحنات التكتيكية HX 8×8 ذات الكفاءة العالية، مع إمكانية دمج تقنيات مشابهة لنظام GMARS الذي طورته الشركة بالتعاون مع Lockheed Martin، ولكن بصبغة صناعية إسبانية خالصة.
تعد هذه الخطوة تجسيداً لبروز مفهوم "السيادة الدفاعية الأوروبية" كمحرك أساسي لصفقات السلاح في العقد الحالي. فبعد أن ألغت مدريد صفقة نظام PULS الإسرائيلي لأسباب سياسية وأخلاقية مرتبطة بالنزاعات الإقليمية، وجدت في تحالف Rheinmetall و EM&E Group الملاذ الاستراتيجي الذي يحقق هدفين متوازيين: أولاً، سد الفجوة الحرجة في قدرات المدفعية الصاروخية بعيدة المدى للجيش الإسباني، وثانياً، تعزيز "خطة التصنيع الدفاعي الوطني" التي تهدف لجعل إسبانيا مركزاً تكنولوجياً متقدماً في جنوب أوروبا.
استراتيجياً، يقلل هذا المشروع من ارتهان دول الناتو للموردين من خارج القارة في التقنيات الحساسة مثل الصواريخ الموجهة. كما يعزز من مفهوم "التماسك الصناعي" داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تندمج الخبرة الألمانية العريقة مع الطموح الهندسي الإسباني لخلق نظام منافس لـ HIMARS الأمريكي، مما يمنح مدريد صوتاً أقوى في صياغة السياسة الدفاعية الأوروبية المشتركة.
عالمياً، يوجه هذا التحول رسالة قوية إلى مصدري السلاح التقليديين؛ فالأسواق الدفاعية لم تعد تكتفي بمنتج جاهز (Off-the-shelf)، بل أصبحت تبحث عن "التوطين الكامل" ونقل المعرفة (ToT). نجاح Rheinmetall في إسبانيا يعزز من فرص نظام SILAM ليكون منتجاً قابلاً للتصدير لدول أخرى داخل الناتو تبحث عن بدائل وطنية.