أخبار: الناتو يسرّع شراء منظومات مكافحة المسيّرات لمواجهة التهديدات المتصاعدة

أطلق حلف شمال الأطلسي الناتو آلية تعاقد جديدة تهدف إلى تسريع شراء منظومات مكافحة الطائرات المسيّرة Counter-UAS، في خطوة تعكس التغير المتسارع في أولويات الحلف الدفاعية بعد أن أصبحت الطائرات غير المأهولة بمختلف فئاتها أحد أبرز التهديدات في ساحات القتال الحديثة. وتهدف المبادرة إلى اختصار المدة الزمنية اللازمة لشراء هذه المنظومات من خلال إنشاء عقود إطارية مسبقة مع عدد من الشركات، بما يسمح للدول الأعضاء والشركاء بالحصول على الأنظمة المطلوبة بسرعة أكبر دون الحاجة إلى إجراءات تعاقدية طويلة ومعقدة. وجاءت المبادرة عبر NATO Support and Procurement Agency (NSPA)، التي أعلنت توقيع اتفاقيات إطارية مع خمس شركات متخصصة في تطوير منظومات مكافحة الطائرات المسيّرة، وهي C-UAS Hub, MARSS, Marduk Technologies, OpenWorks Engineering وThales. وتتيح هذه الاتفاقيات للدول الأعضاء في الحلف والدول الشريكة شراء الأنظمة مباشرة من خلال عقود معتمدة مسبقًا، وهو ما يقلص بشكل كبير المدة الفاصلة بين تحديد الاحتياجات العسكرية وبدء عمليات التسليم. وتستهدف المنظومات المشمولة بالبرنامج مواجهة الطيف الكامل من التهديدات التي تفرضها الطائرات المسيّرة، بدءًا من الطائرات التجارية المعدلة، مرورًا بالطائرات الانتحارية، وصولًا إلى الأسراب المسيّرة التي أصبحت تشكل تحديًا متزايدًا أمام أنظمة الدفاع الجوي التقليدية. وتشمل الحلول المطروحة تقنيات الكشف باستخدام الرادارات والمستشعرات الكهروبصرية، وأنظمة التعرف على الترددات اللاسلكية، ومنظومات الحرب الإلكترونية للتشويش، إضافة إلى وسائل الاعتراض الحركية وغير الحركية التي يمكن دمجها ضمن منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات. ويأتي إطلاق هذه الآلية بعد إعلان قادة دول الناتو خلال قمة أنقرة 2026 مبادرة Drone Edge، التي تتضمن استثمارات تتجاوز 40 مليار دولار على مدى خمس سنوات لتعزيز قدرات الحلف في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة، إلى جانب مضاعفة برامج تدريب المشغلين وتطوير سوق موحدة للأنظمة المتوافقة مع معايير الحلف. ويعد برنامج المشتريات الجديد أحد أولى الخطوات العملية لتحويل هذه التعهدات إلى قدرات تشغيلية يمكن للدول الأعضاء الحصول عليها بسرعة أكبر. وأكدت NSPA أن العقود الإطارية لا تفرض على الدول شراء منظومات محددة، وإنما توفر قائمة من الحلول المعتمدة التي اجتازت المتطلبات الفنية للحلف، مع إمكانية اختيار كل دولة النظام الذي يناسب احتياجاتها العملياتية وميزانيتها. كما تسمح هذه الآلية بإضافة حلول جديدة مستقبلًا كلما ظهرت تقنيات أكثر تطورًا، بما يضمن استمرار مواكبة التطورات السريعة في مجال الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية. وتعكس الشركات التي وقع عليها الاختيار تنوعًا في الحلول الدفاعية المقدمة، إذ تمتلك Thales خبرة واسعة في تطوير منظومات الرادار والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، بينما تقدم MARSS أنظمة متكاملة لحماية المنشآت الحيوية والقواعد العسكرية والسفن من التهديدات الجوية غير المأهولة. أما OpenWorks Engineering فتشتهر بحلول الاعتراض غير التدميرية باستخدام الشباك الموجهة، في حين تطور Marduk Technologies وC-UAS Hub تقنيات متقدمة للكشف والدمج بين المستشعرات وإدارة المعركة، بما يوفر خيارات متنوعة للدول الأعضاء بحسب طبيعة التهديدات التي تواجهها. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الدروس المستخلصة من النزاعات الأخيرة، التي أثبتت أن الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قادرة على استنزاف منظومات الدفاع الجوي التقليدية باهظة الثمن. كما أظهرت التجارب العملياتية أن مواجهة هذه التهديدات تتطلب دمج وسائل الكشف المبكر، والحرب الإلكترونية، والاعتراض الحركي ضمن منظومة واحدة قادرة على التعامل مع أهداف متعددة في الوقت نفسه، وهو ما يدفع الناتو إلى تبني مفهوم الدفاع متعدد الطبقات ضد الطائرات المسيّرة بدلًا من الاعتماد على الصواريخ الاعتراضية وحدها. ستمنح آلية التعاقد الجديدة جيوش الناتو مرونة أكبر في تعزيز حماية القواعد الجوية، ومراكز القيادة، والبنية التحتية الحيوية، والتشكيلات البرية المتحركة، دون انتظار دورات شراء قد تستغرق سنوات. كما ستسهم في توحيد المعايير الفنية بين الدول الأعضاء، بما يسهل دمج المنظومات المختلفة داخل شبكة قيادة وسيطرة مشتركة، ويرفع من كفاءة تبادل البيانات والتعامل مع التهديدات الجوية في الوقت الحقيقي. كما يعكس القرار تحولًا واضحًا في أولويات الحلف، حيث لم تعد برامج التسلح تركز فقط على شراء الطائرات المقاتلة أو أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى، بل أصبحت مكافحة الطائرات المسيّرة أحد المحاور الرئيسية في خطط إعادة التسلح الأوروبية. ويؤكد ذلك أن الحلف بات ينظر إلى الطائرات غير المأهولة باعتبارها تهديدًا دائمًا يتطلب استجابة صناعية وتشغيلية سريعة، خاصة مع الانتشار الواسع لهذه المنصات وتطور قدراتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم والحرب الإلكترونية. إن إطلاق هذه الآلية يمثل دفعة قوية لسوق منظومات Counter-UAS في أوروبا، إذ يفتح الباب أمام الشركات المعتمدة للحصول على عقود متتالية من مختلف دول الحلف عبر إطار تعاقدي موحد. كما يشجع الشركات الأخرى على تسريع تطوير حلول أكثر تطورًا تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ودمج المستشعرات متعددة المصادر، وأنظمة الاعتراض منخفضة التكلفة، في ظل توقعات بأن يصبح قطاع مكافحة الطائرات المسيّرة أحد أسرع قطاعات الصناعات الدفاعية نموًا خلال العقد المقبل، مدفوعًا بالطلب المتزايد على حماية القوات والمنشآت من التهديدات الجوية غير المأهولة.