أعلنت وزارة الحرب بالتعاون مع عملاق الصناعات الدفاعية Northrop Grumman عن انتقال برنامج القاذفة الاستراتيجية B-21 Raider إلى مرحلة "الإنتاج بمعدل منخفض" (Low-Rate Initial Production - LRIP) بوتيرة متسارعة. هذا الإعلان، الذي صدر من المنشأة رقم 42 التابعة للقوات الجوية في بالمديل، يمثل الجاهزية التشغيلية لأول قاذفة من الجيل السادس في العالم، وهي المنصة التي توصف بأنها "العمود الفقري" المستقبلي للثالوث النووي الأمريكي.
تُعد الـ B-21 Raider معجزة هندسية في مجال تقنيات التخفي (Stealth Technology)، حيث صُممت لتكون "رقمية بالكامل" منذ اليوم الأول. وتعتمد القاذفة على بنية تحتية برمجية مفتوحة (Open Mission Systems - OMS)، مما يتيح تحديث قدراتها القتالية وأنظمتها الإلكترونية بسرعة البرق لمواجهة التهديدات الناشئة دون الحاجة لعمرات طويلة. ووفقاً لبيانات Northrop Grumman، فإن الطائرة تمتلك قدرات هائلة في مجال Long-Range Strike و Global Reach، مما يسمح لها باختراق أكثر أنظمة الدفاع الجوي تعقيداً في العالم واستهداف مراكز الثقل بدقة متناهية.
وقد أكدت القوات الجوية الأمريكية (US Air Force) أن البرنامج يسير وفق الجدول الزمني والميزانية المحددة، وهو إنجاز نادر في المشاريع الدفاعية الكبرى. ومن المتوقع أن يحل أسطول الـ B-21 تدريجياً محل القاذفات العتيقة من طراز B-1B Lancer و B-2 Spirit، مع خطط لشراء ما لا يقل عن 100 طائرة لضمان الهيمنة الجوية المطلقة في العقود القادمة.
تتجاوز أهمية الـ B-21 Raider كونها مجرد طائرة جديدة؛ فهي أداة جيوسياسية مصممة خصيصاً لكسر استراتيجيات "منع الوصول والإنكار" (Anti-Access/Area Denial - A2/AD) التي تتبعها القوى المنافسة مثل الصين وروسيا. استراتيجياً، تمنح هذه القاذفة لصناع القرار في واشنطن خيار "الضربة العالمية الصامتة"، حيث يمكنها العمل في بيئات قتالية عالية الخطورة والقيام بمهام استطلاع وهجوم في آن واحد بفضل نظامها المتطور لدمج البيانات (Sensor Fusion).
دخولها خط الإنتاج المتسارع يبعث برسالة ردع واضحة بأن الولايات المتحدة تمتلك الآن "المفتاح" لاختراق أي مظلة دفاعية مهما كانت كثافتها. إن الـ B-21 ليست مجرد قاذفة قنابل، بل هي مركز قيادة وسيطرة طائر (Airborne Command and Control)، قادر على تنسيق الهجمات مع أسراب من الطائرات بدون طيار (Collaborative Combat Aircraft - CCA)، مما يحول ساحة المعركة الجوية إلى شبكة ذكية ومعقدة يصعب التنبؤ بها.
بالإضافة إلى ذلك، تعزز هذه الخطوة من مصداقية الردع النووي الأمريكي، حيث توفر المنصة قدرة على توجيه ضربات نووية دقيقة لا يمكن اعتراضها، مما يضمن استقرار ميزان الرعب العالمي في ظل التوترات المتصاعدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وشرق أوروبا.
إن تسارع إنتاج الـ B-21 Raider يحدث هزة ارتدادية في هيكلية سوق السلاح العالمي:
- ريادة الجيل السادس: تضع هذه القاذفة معياراً تقنياً جديداً لما يجب أن تكون عليه طائرات الجيل السادس، مما يجبر الدول الكبرى والمجموعات الصناعية (مثل برنامج FCAS الأوروبي) على إعادة تقييم تصاميمها للحاق بالفجوة التكنولوجية التي خلقتها Northrop Grumman.
- ثورة التصنيع الرقمي: نجاح البرنامج في الالتزام بالميزانية يعود لاستخدام Digital Engineering و Digital Twins. هذا النجاح سيفرض على كافة شركات الدفاع العالمية تبني أدوات التصميم الرقمي لتقليل مخاطر التطوير، مما سيغير وجه التصنيع العسكري مستقبلياً.
- تنامي الطلب على "الأنظمة المفتوحة": من خلال اعتماد Open Architecture، أثبتت الـ B-21 أن الاستدامة والتطوير البرمجي هما مفتاح البقاء. هذا سيوجه استثمارات السوق نحو البرمجيات والذكاء الاصطناعي بدلاً من التركيز التقليدي على الهيكل المعدني فقط.
- تغيير مفاهيم التسلح الإقليمي: وجود قاذفة بهذا المدى والقدرة سيدفع دولاً حليفة لطلب أنظمة مساندة وتكامل تكنولوجي، بينما سيحفز الدول المنافسة على ضخ استثمارات هائلة في محاولة لتطوير رادارات "كشف الشبح" (Anti-Stealth Radars) أو أنظمة دفاعية تعمل بالليزر، مما يشعل سباق تسلح تكنولوجي عالي التكلفة.
بهذا الإنتاج المتسارع، تؤكد الولايات المتحدة أن الـ B-21 Raider ليست مجرد مشروع دفاعي، بل هي حجر الزاوية في استراتيجية الهيمنة العالمية للقرن الحادي والعشرين، طائرة وُلدت لتبقى في الظل وتضرب في العمق.