كشفت شركة Israel Aerospace Industries (IAI) عن الجيل الجديد من نظام إدارة المعارك OPAL-NG (Next Generation Operational Command and Control System)، والذي صُمم لتلبية متطلبات ساحات القتال المستقبلية، بما في ذلك برامج مقاتلات الجيل السادس والعمليات المشتركة التي تجمع بين المنصات الجوية والبرية والبحرية وغير المأهولة ضمن شبكة عملياتية موحدة. ويأتي الإعلان عن النظام الجديد في وقت تسعى فيه الجيوش الغربية إلى تطوير قدرات القيادة والسيطرة بما يتماشى مع التعقيد المتزايد للمعارك الحديثة.
ويمثل OPAL-NG تطوراً جديداً لعائلة أنظمة OPAL التي استخدمتها IAI خلال السنوات الماضية في عدد من مشاريع القيادة والسيطرة العسكرية. إلا أن النسخة الجديدة صُممت منذ البداية لتواكب متطلبات الحرب متعددة المجالات، حيث تعتمد على بنية تشغيلية لا مركزية تسمح بتبادل البيانات واتخاذ القرارات بصورة فورية بين مختلف الوحدات والمنصات المشاركة في العمليات القتالية. ووفقاً للمعلومات التي كشفت عنها الشركة، فإن النظام يتيح إدارة المعركة في الزمن الحقيقي وربط المستشعرات ومنصات الاستطلاع ووسائط النيران المختلفة داخل شبكة موحدة للوعي الميداني.
ويبرز مفهوم اللامركزية باعتباره أحد أهم عناصر OPAL-NG. فبدلاً من الاعتماد على مركز قيادة واحد قد يصبح هدفاً للهجمات الإلكترونية أو الضربات الدقيقة، يتيح النظام توزيع مهام القيادة والسيطرة عبر شبكة مرنة من العقد العملياتية القادرة على مواصلة العمل حتى في حال فقدان بعض مكونات الشبكة. ويعكس هذا التوجه الدروس المستخلصة من النزاعات الحديثة، التي أظهرت أهمية المرونة والقدرة على الاستمرار في العمل ضمن بيئات تتعرض للتشويش والهجمات السيبرانية المكثفة.
كما صُمم النظام لدمج المنصات المأهولة وغير المأهولة ضمن بيئة تشغيلية واحدة. ففي العقائد العسكرية الحديثة لم تعد الطائرات المسيّرة أو المركبات الذاتية التشغيل تعمل كأنظمة مستقلة، بل أصبحت جزءاً من شبكة قتالية مترابطة تتبادل البيانات بصورة مستمرة مع الطائرات المقاتلة والقوات البرية والقطع البحرية. ويهدف OPAL-NG إلى توفير البنية الرقمية اللازمة لتحقيق هذا التكامل، بما يسمح بتسريع دورة الاستشعار واتخاذ القرار والاشتباك مع الأهداف.
وتكتسب هذه القدرات أهمية خاصة مع ظهور برامج الجيل السادس من الطائرات المقاتلة في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. فهذه المنصات المستقبلية لا يُنظر إليها باعتبارها مجرد طائرات أكثر تطوراً، بل مراكز قيادة جوية تعمل داخل شبكة واسعة من الأنظمة المأهولة وغير المأهولة. ولذلك أصبحت أنظمة إدارة المعارك والقيادة والسيطرة أحد العناصر الحاسمة في نجاح هذه البرامج، وربما لا تقل أهمية عن الطائرة نفسها.
ومن الناحية التقنية، يعتمد OPAL-NG على قدرات متقدمة لمعالجة البيانات ودمج المعلومات الواردة من مصادر متعددة تشمل الرادارات والمستشعرات الكهروبصرية والطائرات المسيّرة ووسائط الاستخبارات الإلكترونية. ويتيح ذلك تكوين صورة عملياتية موحدة للقادة الميدانيين تساعد على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة مقارنة بالأنظمة التقليدية. كما يمكن للنظام توزيع المهام وإدارة الموارد القتالية بصورة ديناميكية وفقاً لتطورات المعركة.
وتسعى IAI من خلال النظام الجديد إلى الاستفادة من الطلب العالمي المتزايد على حلول القيادة والسيطرة المتقدمة. فمعظم برامج التحديث العسكري الحالية تركز بصورة متزايدة على بناء شبكات عملياتية مترابطة بدلاً من شراء منصات منفردة فقط. وقد أدى هذا الاتجاه إلى نمو سريع في سوق أنظمة إدارة المعارك الرقمية، التي أصبحت تمثل العمود الفقري للعمليات العسكرية الحديثة.
كما يعكس OPAL-NG توجهاً أوسع داخل الصناعات الدفاعية العالمية نحو دمج الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في عمليات القيادة والسيطرة. فالتحدي الرئيسي في المعارك الحديثة لم يعد نقص المعلومات، بل القدرة على معالجة الكم الهائل من البيانات الواردة من مختلف المستشعرات وتحويلها إلى قرارات عملياتية قابلة للتنفيذ خلال ثوانٍ معدودة. ومن المتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في هذا المجال خلال السنوات المقبلة.
ويكشف تطوير OPAL-NG عن إدراك متزايد بأن التفوق العسكري المستقبلي لن يعتمد فقط على امتلاك منصات قتالية متقدمة، بل على القدرة على ربط هذه المنصات داخل شبكة واحدة قادرة على تبادل البيانات واتخاذ القرارات بصورة أسرع من الخصم. وقد أصبحت هذه الفلسفة أساس برامج التطوير العسكري الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا والصين على حد سواء.
إن نظام OPAL-NG الجديد من IAI لا يمثل مجرد تحديث تقني لمنظومات القيادة والسيطرة التقليدية، بل يعكس انتقالاً نحو جيل جديد من إدارة المعارك يعتمد على الشبكات اللامركزية والعمليات متعددة المجالات والتكامل الكامل بين المنصات المأهولة وغير المأهولة. ومع اقتراب دخول مقاتلات الجيل السادس الخدمة خلال العقد المقبل، قد تصبح مثل هذه الأنظمة أحد أهم العوامل التي تحدد ميزان التفوق العسكري في ساحات القتال المستقبلية.