في استعراض مهيب للقوة العسكرية والترابط الأطلسي، شهدت ميادين الرماية في بولندا مطلع عام 2026 حدثاً تاريخياً تجسد في تنفيذ 1st Armoured Brigade (اللواء المدرع الأول البولندي) لأول تدريب بالذخيرة الحية باستخدام دبابات القتال الرئيسية من طراز M1A2 Abrams SEPv3. ولم تكن هذه المناورات مجرد تدريبات روتينية، بل كانت إعلاناً عملياً عن وصول أقوى نسخة من الدبابة الأمريكية الصنع إلى "البوابة الشرقية" لأوروبا، بمشاركة وإشراف مباشر من وحدات U.S. Army المتمركزة في المنطقة، مما يرسخ مرحلة جديدة من التكامل التكتيكي والردع الاستراتيجي.
جرت وقائع هذه الرماية الحية في ميدان التدريب العسكري بمدينة "ديربا"، حيث قامت أطقم الدبابات البولندية، التي خضعت لتدريبات مكثفة على مدار الأشهر الماضية في مركز التدريب المشترك، بإطلاق قذائف من عيار 120mm بدقة متناهية تجاه أهداف ثابتة ومتحركة على مسافات بعيدة. تضمن التدريب محاكاة لعمليات دفاعية وهجومية منسقة، حيث عملت الدبابات البولندية جنباً إلى جنب مع فصائل مدرعة من الجيش الأمريكي، مما أثبت قدرة الطرفين على التواصل والعمل ضمن شبكة قيادة وسيطرة موحدة.
تأتي هذه المناورات تنفيذاً لصفقات ضخمة وقعتها بولندا مع الولايات المتحدة، شملت شراء 250 دبابة من طراز M1A2 Abrams SEPv3 في عام 2022، تبعتها صفقة أخرى لـ 116 دبابة من طراز M1A1 FEP لسد الفجوة الدفاعية. وتعتبر هذه الرماية الحية "شهادة ميلاد" عملياتية للواء المدرع الأول، الذي تحول من استخدام العقيدة السوفيتية القديمة إلى تبني أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الدروع الغربية.
تعد النسخة M1A2 Abrams SEPv3 (System Enhancement Package version 3) هي الأكثر تطوراً وفكاً للشفرات القتالية في تاريخ عائلة Abrams. تتميز هذه الدبابة بقدرات هائلة في "البقاء" (Survivability) و"الفتك" (Lethality). فهي مجهزة بنظام حماية نشط من طراز Trophy APS القادر على تدمير الصواريخ المضادة للدبابات والقذائف الصاروخية قبل اصطدامها بالبدن، بالإضافة إلى دروع معززة من الجيل الجديد توفر حماية غير مسبوقة ضد العبوات الناسفة والتهديدات الكيميائية والإشعاعية.
من الناحية الهجومية، تم تزويدها بنظام ADL (Ammunition Data Link) الذي يسمح للطاقم ببرمجة القذائف الذكية قبل إطلاقها لتنفجر في الوقت والمكان المحددين بدقة متناهية. كما تعمل الدبابة بوحدة طاقة مساعدة (APU) تسمح بتشغيل الأنظمة الإلكترونية والرادارية دون الحاجة لتشغيل المحرك الرئيسي، مما يقلل من البصمة الحرارية والصوتية للدبابة ويجعلها "صياداً صامتاً" في الليل. وتدير هذه المنظومة شبكة رقمية متكاملة تسمح بتبادل البيانات اللحظية مع الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية، مما يجعلها عقدة قتالية في ساحة معركة رقمية بالكامل.
استراتيجياً، يمثل نجاح اللواء المدرع الأول في ترويض الـ M1A2 Abrams SEPv3 تحولاً جوهرياً في بنية الأمن الأوروبي. بولندا لم تعد مجرد دولة عضوة في الناتو، بل تحولت إلى "مركز ثقل" مدرع قادر على وقف أي زحف بري محتمل من الشرق. إن دمج هذه الدبابات في القوات البرية البولندية يعني أن الفوارق التكنولوجية مع الجيوش الشرقية قد اتسعت بشكل يصعب ردمه، مما يعزز من مفهوم "الردع بالمنع".
كما أن إجراء التدريبات بشكل مشترك مع U.S. Army يرسخ مبدأ "العمل المشترك" (Interoperability)، حيث تصبح الدبابة البولندية والأمريكية قطعة واحدة في رقعة شطرنج واسعة، تستخدم نفس الذخائر ونفس أنظمة الاتصال ونفس الوقود. هذا التناغم يقلل من التعقيدات اللوجستية في حالة نشوب صراع واسع النطاق، ويؤكد لخصوم الحلف أن أي مغامرة عسكرية ستواجه بجدار فولاذي لا يمكن اختراقه.
عالمياً، يعيد نجاح بولندا في استيعاب الـ Abrams SEPv3 بريق الريادة للدبابات الأمريكية في مواجهة المنافسة الشرسة من الدبابات الكورية والأوروبية. هذا النجاح يثبت أن الـ Abrams لا تزال المعيار الذهبي لقوة الصدمة البرية.