كشف تحقيق استقصائي أجرته شبكة NBC News الأمريكية أن مقاتلة إيرانية من طراز Northrop F-5 يُعتقد أنها نجحت في استغلال نافذة زمنية قصيرة لا تتجاوز 120 ثانية لتنفيذ ضربة ضد محيط قاعدة Camp Buehring الأمريكية في الكويت، وذلك خلال هجوم واسع النطاق استهدف القواعد الأمريكية في المنطقة.
وقعت الضربة في توقيت كانت فيه منظومات الدفاع الجوي الأمريكية تواجه ضغطًا كبيرًا نتيجة هجوم مركب شمل صواريخ باليستية وطائرات بدون طيار. هذا النمط من العمليات، المعروف عسكريًا باسم Saturation attack، يهدف إلى إغراق أنظمة الدفاع بعدد كبير من الأهداف المتزامنة، بما قد يتجاوز قدرتها على التتبع والاعتراض في وقت واحد.
في هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن المقاتلة الإيرانية استفادت من لحظة ذروة الإشغال داخل الشبكة الدفاعية، ما أدى إلى تقليص زمن الاستجابة إلى حدٍ حرج. هذه النافذة الزمنية المحدودة — التي قد لا تتجاوز دقيقتين — ربما كانت كافية للسماح للطائرة بالاقتراب وتنفيذ الضربة قبل إتمام دورة الكشف والاشتباك.
كيف حدث الاختراق؟
تشير القراءة العملياتية للواقعة إلى أن الطائرة قد تكون اعتمدت على الطيران على ارتفاع منخفض جدًا (low-altitude penetration)، وهو تكتيك كلاسيكي يهدف إلى تقليل فرص الاكتشاف الراداري عبر استغلال قيود خط الرؤية وانحناء الأرض.
في مثل هذه الظروف، ينخفض مدى الكشف الفعلي للرادارات الأرضية، ما يؤدي إلى تقليص الوقت المتاح أمام أنظمة الدفاع الجوي لاتخاذ القرار والاشتباك. ومع سرعة طيران تقترب من 800–900 كم/س، يمكن أن تصبح نافذة الاشتباك قصيرة للغاية، خاصة في بيئة مشبعة بالتهديدات.
كما يُرجح أن أنظمة C2 (Command and Control) واجهت ضغطًا مؤقتًا في إدارة وتنسيق الأهداف، وهو أمر متوقع في ظل هجوم متعدد المحاور. وقد يؤدي هذا الضغط إلى تأخير في ترتيب الأولويات أو تخصيص المعترضات، خصوصًا عندما يتم إعطاء أولوية للتهديدات الباليستية ذات الخطورة الأعلى. كما أن تأخر التصنيف الإيجابي للهدف" وسط الزحام الجوي كان جزءاً من نجاح الاختراق.
دور مقاتلة F-5 في العملية
رغم أن Northrop F-5 تُعد من المقاتلات الخفيفة التي تعود إلى حقبة الستينيات، إلا أنها تمتلك بعض الخصائص التي قد تمنحها أفضلية نسبية في مثل هذه السيناريوهات، من بينها:
- بصمة رادارية منخفضة مقارنة بالمقاتلات الأكبر
- قدرة عالية على المناورة على ارتفاعات منخفضة
- بساطة تشغيلية تسمح بتنفيذ مهام اختراق محددة
في المقابل، تعاني الطائرة من محدودية في قدرات الاشتباك بعيد المدى، إذ تفتقر إلى صواريخ موجهة بالرادار (BVR)، وتعتمد بشكل أساسي على:
- أسلحة قصيرة المدى
- قنابل غير موجهة أو موجهة بشكل محدود
لذلك، فإن أي مهمة هجومية من هذا النوع تتطلب اقترابًا فعليًا من الهدف والدخول داخل النطاق الدفاعي، وهو ما يعزز فرضية أن الضربة اعتمدت على اختراق مباشر وليس هجومًا من مسافة آمنة. مما يعزز فرضية استخدام النسخ المطورة محلياً من هذه المقاتلة مثل "كوثر" أو "صاعقة"، والتي قد تكون مزودة بأنظمة تحذير راداري (RWR) محدثة ساعدت الطيار على رصد فجوات التغطية.
السياق العملياتي
الضربات الإيرانية التي نُفذت في المرحلة الأولى من الحرب ألحقت أضراراً مادية بالبنية التحتية العسكرية الأمريكية تفوق بكثير ما تم الإعلان عنه سابقاً. بدأت المواجهة في 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية-إسرائيلية استهدفت مواقع إيرانية، أعقبها في غضون ساعات رد انتقامي إيراني منسق استهدف القواعد الأمريكية في منطقة الخليج. وخلال الأيام الثلاثة الأولى، شملت الهجمات سبع دول، وبينما كان الأفراد الأمريكيون قد تم توزيعهم بعيداً عن المواقع الثابتة لتقليل الخسائر البشرية، ظلت البنية التحتية مكشوفة بالكامل أمام الاستهداف الجوي.
واستناداً إلى إفادات ثلاثة مسؤولين أمريكيين واثنين من مساعدي الكونجرس، فإن تقييمات الأضرار لا تزال غير مكتملة بسبب ظروف وقف إطلاق النار الحالي. وتشير الأرقام الأولية إلى أن خسائر البنية التحتية وحدها ناهزت مليارات الدولارات، حيث نفذت القوات الإيرانية خلال الـ 72 ساعة الأولى حزمة ضربات استهدفت أكثر من 100 موقع في الكويت، الإمارات، السعودية، الأردن، قطر، العراق، والبحرين.
يُظهر نمط الاستهداف تركيزًا على العوامل التشغيلية الأساسية، وتحديدًا مدارج الطائرات، والملاجئ المحصنة، وحظائر الصيانة، ومنظومات الرادار، ومستودعات الوقود، ومستودعات الخدمات اللوجستية، ومراكز القيادة، ومحطات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية. وقد تطلّب الأمر من أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية معالجة مسارات الصواريخ الباليستية في آنٍ واحد، بالإضافة إلى عمليات اختراق مكثفة للطائرات المسيّرة، حيث أعطت عقيدة الاشتباك الأولوية للتهديدات الباليستية نظرًا لسرعتها وحمولتها. وفي الوقت نفسه، أدت الضربات الإيرانية إلى إضعاف تغطية الرادار وإلحاق أضرار بنظامي دفاع جوي على الأقل، مما قلّل من دقة أجهزة الاستشعار وقدرة الاشتباك. وتأخرت أو توقفت عدة دورات اشتباك بسبب تضارب أولويات الأهداف.
في الظروف العادية، كان من الممكن رصد مثل هذه الطائرة، والاشتباك معها، وتدميرها على الأرجح، حتى من مسافة أبعد. يتطلب مسار الاختراق اللازم للوصول إلى معسكر بوهرينغ دخولًا مستمرًا على ارتفاع منخفض، على الأرجح أقل من 50 مترًا فوق سطح الأرض، لاستغلال قيود خط الرؤية الراداري. يقتصر رصد الرادار الأرضي لمثل هذه الأهداف على مسافة تتراوح بين 30 و40 كيلومترًا تقريبًا بسبب انحناء الأرض، مما يُقلل من وقت الإنذار المبكر. عند سرعة دخول تتراوح بين 800 و900 كيلومتر في الساعة، أي ما يُعادل تقريبًا 220 إلى 250 مترًا في الثانية، تكون نافذة الاشتباك المتاحة أقل من 120 ثانية من الرصد.
يتضمن الهجوم إما الإطلاق المستمر من مستوى منخفض أو مناورة صعود قصيرة لتحسين هندسة الإطلاق قبل العودة إلى الارتفاع المنخفض. في كلتا الحالتين، يجب أن تصل الطائرة الإيرانية F-5 إلى مسافة الاستهداف البصري، عادةً في حدود كيلومترات قليلة من نقطة التصويب. وتكونت الحمولة المحتملة من قنابل غير موجهة أو موجهة بشكل محدود من فئة 250 إلى 900 كجم، مما يتطلب الإطلاق من مدى قصير . وهذا يؤكد مجدداً أن الضربة اعتمدت على الاختراق المادي بدلاً من الاشتباك عن بعد. كانت الطائرة تعمل داخل الغلاف الدفاعي الأمريكي لحظة الإطلاق. يشير نجاح الضربة إلى أن الكشف حدث متأخراً أو أن الاشتباك تأخر، وهو ما يتوافق مع انهيار مؤقت في تسلسل الكشف والاشتباك. كما يشير التوزيع العام للضربات الإيرانية إلى جهد متعمد لإضعاف البنية التحتية العملياتية الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة.
تظل المعلومات المتعلقة بتفاصيل هذه الهجمات محدودة الوصول للمشرعين في واشنطن، حيث يشكو موظفو الكونجرس من غياب الإحاطات الشاملة رغم الطلبات المتكررة. تثير واقعة اختراق الـ F-5 تساؤلات حادة حول جدوى الاعتماد الكلي على التكنولوجيا في مواجهة تكتيكات "الإغراق" المنسقة. لقد أثبتت هذه الـ 120 ثانية في سماء الكويت أن التوقيت، والجرأة في التحليق على ارتفاعات منخفضة، واستغلال لحظات الضغط التقني على الرادارات، يمكن أن يمنح سلاحاً قديماً ومتهالكاً فرصة لاختراق أكثر المنظومات الدفاعية تقدماً وتكلفة في تاريخ الحروب الحديثة.