أكد قائد القوات البحرية التركية، الأميرال أرجومنت تاتلي أوغلو، أن تركيا تنفذ حاليًا برنامجًا ضخمًا لبناء أكثر من 50 سفينة حربية بصورة متزامنة، تشمل 37 سفينة مخصصة للقوات البحرية التركية و24 سفينة يجري بناؤها لصالح دول أجنبية. ويعكس هذا الرقم حجم التوسع غير المسبوق الذي تشهده صناعة بناء السفن العسكرية التركية، بالتزامن مع انتقال أنقرة من إنتاج السفن القتالية التقليدية إلى تطوير حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات الوطنية والمنصات البحرية غير المأهولة.
وجاءت تصريحات قائد القوات البحرية التركية خلال افتتاح فعاليات TEKNOFEST Mavi Vatan 2026 في قيادة ترسانة غولجوك البحرية، وهي مناسبة تحولت إلى منصة لاستعراض حجم التحول الذي تشهده القوة البحرية التركية، سواء على مستوى الأسطول العامل أو البرامج المستقبلية أو القاعدة الصناعية التي تقف خلف هذا التوسع. ويشير البرنامج الحالي إلى أن تركيا لم تعد تتعامل مع بناء السفن الحربية باعتباره نشاطًا يقتصر على تلبية الاحتياجات المحلية، بل أصبح قطاعًا استراتيجيًا يجمع بين إعادة تسليح الأسطول التركي وتعزيز صادرات الصناعات البحرية الدفاعية في الوقت نفسه.
وتكتسب الأرقام المعلنة أهمية خاصة عند النظر إلى التطور الذي شهده برنامج البناء البحري التركي خلال الأشهر الماضية. ففي أبريل 2026، كانت القوات البحرية التركية تتحدث عن بناء 41 منصة عسكرية بصورة متزامنة، مع خطط لرفع الرقم إلى 50، بينما تشير الأرقام الجديدة إلى أن هذا التوسع لم يتوقف عند سقف الخطط السابقة، بل تجاوزها مع استمرار دخول برامج جديدة إلى مراحل البناء والإنتاج.
ويشمل برنامج بناء السفن الحالي مجموعة واسعة من المنصات القتالية والبحرية، تبدأ من الفرقاطات والطرادات والسفن البرمائية، وتمتد إلى المدمرات ومنصات مكافحة الألغام والغواصات والسفن الداعمة. ويعكس هذا التنوع أن أنقرة لا تسعى إلى زيادة عدد السفن الموجودة في الخدمة فقط، وإنما تعمل على إعادة تشكيل البنية الكاملة لقواتها البحرية من خلال إدخال أجيال جديدة من المنصات في معظم فئات القتال البحري.
وفي مقدمة هذه البرامج يأتي مشروع حاملة الطائرات التركية المستقبلية، إلى جانب برنامج مدمرة الدفاع الجوي TCG Kocatepe، حيث سبق للقوات البحرية التركية أن أعلنت وضع الكتلة الأولى من السفينة على منصة البناء. كما تتجه تركيا إلى بدء أعمال بناء السفن التالية من الفئة نفسها، في إطار برنامج يستهدف توفير قدرة أكبر على الدفاع الجوي للأسطول في البحر، وهي قدرة تمثل أحد العناصر الأساسية للانتقال من قوة بحرية إقليمية إلى قوة تستطيع تنفيذ عمليات أكثر تعقيدًا وعلى مسافات أبعد.
ويجري بالتوازي توسيع برنامج الفرقاطات من فئة Istanbul-class، إذ أطلقت السفن الثانية حتى الخامسة من الفئة، بينما تتواصل أعمال بناء السفن التالية. ويمثل هذا البرنامج مرحلة متقدمة في مسار مشروع MILGEM، الذي تحول خلال السنوات الماضية من برنامج لبناء طرادات محلية إلى قاعدة لتطوير عائلة كاملة من السفن الحربية التركية، مع زيادة مستمرة في مستوى الأنظمة والأسلحة والمستشعرات المحلية المستخدمة على متنها.
ولا يقتصر التوسع على السفن السطحية، إذ تواصل تركيا العمل على مشروع الغواصة الوطنية MILDEN، الذي يمثل أحد أكثر برامج الصناعات البحرية التركية طموحًا وتعقيدًا. وتخطط أنقرة لبناء الغواصة محليًا بطول يزيد على 80 مترًا وإزاحة تقارب 2700 طن، مع قدرة على تنفيذ مهام الحرب ضد السفن والغواصات والاستطلاع والمراقبة وزرع الألغام والعمليات الخاصة ودعم مجموعات القتال البحرية. وقد عُرضت الكتلة الاختبارية الأولى للبرنامج خلال فعاليات TEKNOFEST Mavi Vatan، في مؤشر على انتقال المشروع تدريجيًا من مرحلة التطوير النظري إلى البناء الفعلي.
كما تشمل برامج
البناء سفنًا برمائية وسفن دورية ومنصات مكافحة الألغام وسفن دعم، في إطار توجه يقوم
على بناء أسطول متعدد الطبقات. وهذا يعني أن البحرية التركية لا تراهن فقط على السفن
الكبيرة ذات القدرة القتالية العالية، بل تعمل أيضًا على تطوير المنصات التي تؤمن الانتشار
الساحلي والدعم اللوجستي وعمليات الإنزال وتأمين الممرات البحرية.
وفي هذا السياق،
أصبح قطاع بناء السفن أحد المحاور الرئيسية لنمو الصناعة الدفاعية التركية. فالسفن
التي يجري بناؤها لصالح دول أجنبية تمثل جانبًا مهمًا من البرنامج الحالي، إذ تؤكد
الأرقام المعلنة أن 24 سفينة من إجمالي السفن الجاري بناؤها مخصصة لعملاء خارج تركيا.
وهذا يعكس تطور قدرة أحواض بناء السفن التركية على تنفيذ مشاريع تصديرية متزامنة إلى
جانب برامج إعادة تسليح البحرية الوطنية.
كما أن توقيت التوسع
يحمل دلالة مهمة في ظل الأزمة التي تواجهها بعض برامج بناء السفن في دول غربية. فتركيا
تسعى إلى تقديم أحواضها باعتبارها قادرة على الإنتاج السريع والمتزامن وفق المعايير
المطلوبة من قبل الدول الحليفة، في وقت تواجه فيه بعض القوى البحرية الكبرى تحديات
تتعلق بتأخر البرامج وارتفاع التكاليف وضعف الطاقة الإنتاجية.
وتشير تحليلات منشورة
خلال يوليو 2026 إلى أن أحواض بناء السفن التركية كانت تنفذ بالفعل أعمال بناء وتجهيز
أكثر من 50 سفينة عسكرية كبيرة ومتنوعة في الوقت نفسه.
وهنا تظهر أهمية القطاع البحري التركي بالنسبة إلى الشراكات المستقبلية.
فأنقرة لا تكتفي بتصدير السفن، بل تحاول تحويل قدراتها الإنتاجية إلى ورقة استراتيجية
في علاقاتها الدفاعية مع الدول الحليفة، سواء من خلال بناء منصات جديدة أو المشاركة
في الصيانة والإصلاح أو التعاون في إنتاج المكونات والأنظمة.