أخبار: كندا تعزز قدراتها في مكافحة الغواصات باختيار سونار S2087 من Thales لمدمرات River-Class الجديدة

خطت البحرية الملكية الكندية خطوة جديدة في مسار تحديث قدراتها البحرية تحت السطحية بعد اختيار منظومة السونار المقطور S2087 التي تطورها شركة Thales Canada لتجهيز المدمرات المستقبلية من فئة River-Class، في إطار أحد أكبر برامج بناء السفن الحربية في تاريخ كندا الحديث. ويعكس القرار الأهمية المتزايدة التي توليها أوتاوا لمهام الحرب ضد الغواصات في ظل تصاعد المنافسة البحرية العالمية وتنامي النشاط العسكري في المحيطين الأطلسي والهادئ، إضافة إلى الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للمناطق القطبية الشمالية.

وبحسب ما أعلنته شركة Thales Canada، فقد حصلت على عقد من Lockheed Martin Canada لتوريد منظومات S2087 للمدمرات الكندية الجديدة، والتي يجري تطويرها ضمن برنامج River-Class Destroyer الذي يمثل حجر الأساس في مستقبل القوة البحرية الكندية خلال العقود المقبلة. وتعمل Lockheed Martin Canada بصفتها المدمج الرئيسي لمنظومات القتال الخاصة بالسفن الجديدة، بينما تتولى Irving Shipbuilding مسؤولية بناء السفن ضمن الاستراتيجية الوطنية الكندية لبناء السفن.

ويُعد S2087 أحد أكثر أنظمة السونار المقطور تطورًا في الخدمة حاليًا، وينتمي إلى عائلة CAPTAS الشهيرة التي طورتها شركة Thales للحرب ضد الغواصات. وتم تصميم النظام لاكتشاف وتعقب الغواصات والأهداف تحت السطحية الهادئة على مسافات بعيدة، سواء في المياه الساحلية المعقدة أو في البيئات البحرية المفتوحة، وهو ما يمنح السفن الحربية قدرة أكبر على مواجهة التهديدات البحرية الحديثة التي تعتمد بصورة متزايدة على الغواصات منخفضة البصمة الصوتية.

ويتميز السونار المقطور عن أنظمة السونار التقليدية المثبتة في بدن السفينة بقدرته على العمل بعيدًا عن الضوضاء الصادرة من السفينة نفسها، الأمر الذي يحسن فعالية الكشف ويزيد مدى الرصد، خصوصًا ضد الغواصات الحديثة التي أصبحت أكثر هدوءًا وتعقيدًا من الناحية التقنية. ولهذا السبب باتت منظومات السونار المقطورة عنصرًا أساسيًا في السفن المتخصصة بالحرب ضد الغواصات لدى معظم البحريات الغربية الكبرى.

ويحظى S2087 بسجل تشغيلي واسع داخل القوات البحرية الغربية، إذ يعمل بالفعل على متن الفرقاطات البريطانية من فئة Type 23، كما جرى اختياره للفرقاطات البريطانية المستقبلية Type 26. كذلك اختارت أستراليا المنظومة نفسها لتجهيز فرقاطاتها الجديدة من فئة Hunter-Class المبنية على التصميم البريطاني ذاته. ومع انضمام كندا إلى قائمة المستخدمين، ستصبح المنظومة قيد الخدمة لدى ثلاث دول من أعضاء تحالف Five Eyes الاستخباراتي، وهو ما يعزز مستويات التوافق العملياتي والتقني بين هذه القوات البحرية.

ويأتي التعاقد ضمن برنامج River-Class Destroyer الذي يُعد أكبر مشروع بناء سفن حربية تشهده كندا منذ الحرب العالمية الثانية. ويتضمن البرنامج بناء 15 مدمرة متعددة المهام لتحل محل الفرقاطات من فئة Halifax-Class والمدمرات المتقاعدة من فئة Iroquois-Class. وتستند السفن الجديدة إلى تصميم Type 26 البريطاني مع تعديلات تتناسب مع المتطلبات الكندية، ومن المتوقع أن يبدأ دخول أول سفينة إلى الخدمة خلال أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، بينما يمتد تسليم السفن اللاحقة حتى خمسينيات القرن الحادي والعشرين.

وستحصل المدمرات الجديدة على مزيج متقدم من أنظمة التسليح والاستشعار يشمل الصواريخ والمدافع والطوربيدات والمروحيات والطائرات غير المأهولة، مع قدرة على تنفيذ طيف واسع من المهام البحرية يتراوح بين الدفاع الجوي والحرب السطحية والحرب ضد الغواصات وحماية خطوط الملاحة البحرية. ومن هذا المنطلق، يشكل S2087 أحد أهم المستشعرات القتالية التي ستعتمد عليها السفن الجديدة في تنفيذ مهامها الرئيسية.

يعكس هذا التعاقد تحولًا واضحًا في أولويات القوات البحرية الغربية خلال السنوات الأخيرة. فبعد عقود من التركيز على العمليات الساحلية ومكافحة الإرهاب والقرصنة البحرية، عادت الحرب ضد الغواصات لتحتل موقعًا متقدمًا في التخطيط العسكري البحري. ويعود ذلك إلى التوسع المستمر في أساطيل الغواصات لدى القوى الكبرى، والتطور الكبير الذي شهدته الغواصات الحديثة من حيث التخفي والمدى والقدرة على حمل صواريخ بعيدة المدى.

كما تكتسب هذه القدرات أهمية خاصة بالنسبة لكندا بسبب موقعها الجغرافي الفريد. فمع ازدياد النشاط العسكري في القطب الشمالي وارتفاع أهمية الممرات البحرية القطبية، باتت أوتاوا مطالبة بامتلاك وسائل متقدمة لمراقبة المجال البحري الواسع الممتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ مرورًا بالمياه القطبية. وفي هذا السياق، توفر منظومات السونار بعيدة المدى عنصرًا حيويًا لتعزيز الوعي البحري ومراقبة التحركات تحت السطحية في المناطق ذات الحساسية الاستراتيجية العالية.

يحمل العقد أهمية كبيرة للصناعة الدفاعية الكندية، إذ أكدت Thales أنها ستتعاون مع شركات كندية محلية لدعم المنظومات طوال دورة حياتها التشغيلية، بما يشمل أعمال الصيانة والتحديث والدعم الفني. ويضمن ذلك بقاء المعرفة التقنية والقدرات الصناعية الحيوية داخل كندا، بما يتوافق مع سياسة أوتاوا الرامية إلى تعزيز السيادة الصناعية الدفاعية وتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي في البرامج العسكرية الحساسة.

وفي المحصلة، لا يمثل اختيار S2087 مجرد صفقة لتوريد منظومة سونار جديدة، بل يعكس توجهًا استراتيجيًا أوسع نحو بناء قوة بحرية كندية قادرة على مواجهة بيئة بحرية تزداد تعقيدًا وتنافسية. كما يؤكد أن الحرب ضد الغواصات عادت لتصبح أحد المحاور الرئيسية في تطوير الأساطيل الغربية، وأن المستشعرات المتقدمة مثل CAPTAS/S2087 ستلعب دورًا محوريًا في رسم ملامح التوازنات البحرية خلال العقود المقبلة.