كشفت شركة EODH اليونانية خلال معرض Eurosatory 2026 في باريس عن منظومة الحماية الجديدة ASPIS NG (Advanced Shielding Platform Integrated System – New Generation)، التي تمثل أحدث محاولات الصناعة الدفاعية الأوروبية لتوفير حلول متكاملة تضمن بقاء الدبابات والعربات المدرعة في بيئة قتالية أصبحت أكثر خطورة وتعقيداً من أي وقت مضى. وتعرض الشركة المنظومة على نموذج لبرج دبابة Leopard 1A5، في رسالة واضحة تستهدف مشغلي أساطيل الدبابات الأوروبية الباحثين عن حلول تحديث فعالة ومنخفضة التكلفة مقارنة بشراء منصات جديدة بالكامل.
ويأتي الكشف عن ASPIS NG في وقت تواجه فيه الجيوش الأوروبية دروساً قاسية مستخلصة من الحرب الأوكرانية والصراعات الأخيرة في الشرق الأوسط، حيث أثبتت الطائرات المسيّرة الرخيصة والذخائر الجوالة قدرتها على تهديد حتى أكثر الدبابات تطوراً. وقد أدى الانتشار الواسع للتهديدات الجوية منخفضة الارتفاع إلى إعادة تعريف مفهوم حماية الدروع، فلم يعد التدريع التقليدي وحده كافياً لضمان بقاء المنصة القتالية في ساحة المعركة الحديثة.
وتصف EODH منظومتها الجديدة بأنها منصة حماية معيارية متعددة الطبقات يمكن دمجها على الدبابات الرئيسية وعربات المشاة القتالية والعربات المدرعة الأخرى سواء أثناء التصنيع أو عبر برامج التحديث اللاحقة. وتهدف المنظومة إلى توفير حماية شاملة ضد الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، والذخائر الهجومية التي تستهدف سقف الدبابة، والطائرات المسيّرة الانتحارية، والذخائر الجوالة، وغيرها من التهديدات التي أصبحت تشكل الخطر الأكبر على القوات المدرعة في الحروب الحديثة.
ويعتمد مفهوم ASPIS NG على الدمج بين التدريع المتقدم والحماية النشطة والحماية السلبية ضمن هيكل واحد متكامل. ويتيح هذا النهج للقوات المسلحة اختيار مستوى الحماية المطلوب وفقاً لطبيعة المهمة والتهديدات المتوقعة، وهو ما يمنح المنظومة مرونة تشغيلية كبيرة مقارنة بالأنظمة التقليدية التي تعتمد على فلسفة حماية ثابتة وغير قابلة للتكيف.
وتكتسب المنظومة أهمية خاصة بسبب تركيزها على مواجهة تهديدات الهجوم العلوي. فقد أظهرت المعارك الحديثة أن الجزء العلوي من الدبابة أصبح أحد أكثر المناطق تعرضاً للخطر نتيجة انتشار الصواريخ الحديثة والطائرات المسيّرة القادرة على استهداف النقاط الأقل تدريعاً. ودفعت هذه الحقيقة العديد من الشركات الدفاعية إلى تطوير حلول مخصصة لحماية السقف العلوي للمركبات القتالية، وهو المجال الذي تسعى EODH إلى المنافسة فيه بقوة من خلال ASPIS NG.
كما صممت المنظومة لتكون قابلة للتكامل مع أنظمة الحماية النشطة المختلفة المستخدمة لدى دول الناتو، ما يمنحها ميزة إضافية في الأسواق الأوروبية. فبدلاً من تقديم حل مستقل بالكامل، تعتمد EODH على فلسفة تسمح بدمج النظام ضمن البنية القتالية القائمة بالفعل، الأمر الذي يقلل تكاليف التحديث ويسهل عملية التبني من قبل المستخدمين المحتملين.
ويمثل ظهور ASPIS NG أيضاً مرحلة جديدة في مسيرة EODH نفسها. فالشركة اليونانية التي اشتهرت تاريخياً بإنتاج حلول التدريع والحماية للمركبات العسكرية تسعى اليوم إلى التحول نحو تقديم برامج تحديث متكاملة تشمل أنظمة الحماية والإلكترونيات والحلول العملياتية، بما يواكب التغيرات الجارية في سوق المركبات المدرعة الأوروبية. وقد لفتت الشركة الأنظار خلال السنوات الماضية عبر تعاونها مع KNDS في عدد من مشاريع حماية دبابات Leopard، ما ساهم في تعزيز حضورها داخل قطاع الأنظمة البرية الأوروبية.
يعكس البرنامج تصاعد دور الصناعات الدفاعية اليونانية داخل السوق الأوروبية. فاليونان التي كانت لسنوات طويلة مستورداً رئيسياً للمعدات العسكرية، بدأت خلال العقد الأخير في الاستثمار بصورة أكبر في تطوير قاعدة صناعية دفاعية وطنية قادرة على المنافسة في مجالات متخصصة مثل الأنظمة الإلكترونية ومكافحة المسيّرات وحماية المركبات المدرعة. ويأتي ASPIS NG كأحد أبرز الأمثلة على هذا التوجه الجديد.
وتحمل المنظومة أهمية إضافية بسبب توقيت ظهورها. فمعظم الجيوش الأوروبية تمتلك مئات الدبابات من أجيال سابقة مثل Leopard 1 وLeopard 2 وM60 وغيرها من المنصات التي ما زالت تتمتع بعمر هيكلي طويل، لكنها تحتاج إلى تحديثات واسعة لمواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين. وفي ظل ارتفاع أسعار الدبابات الجديدة بصورة غير مسبوقة، أصبحت برامج التحديث والحماية المتقدمة خياراً أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية والعسكرية.
كما يتزامن الكشف عن ASPIS NG مع موجة عالمية من الاهتمام بأنظمة بقاء الدبابات. فقد دفعت الحرب في أوكرانيا العديد من الدول إلى إعادة تقييم مستقبل القوات المدرعة، ليس من خلال التخلي عنها كما توقع بعض المحللين في بداية الحرب، بل عبر البحث عن وسائل جديدة لزيادة قدرتها على البقاء في مواجهة التهديدات الحديثة. وأصبحت أنظمة الحماية النشطة والتدريع المعياري ومكافحة المسيّرات جزءاً أساسياً من أي برنامج تطوير للدبابات والعربات المدرعة.
يعكس ASPIS NG تحولاً أوسع في فلسفة الحرب البرية الحديثة. فالمعادلة لم تعد تقتصر على زيادة سماكة التدريع أو قوة التسليح، بل أصبحت تعتمد على بناء منظومة حماية متعددة الطبقات قادرة على اكتشاف التهديد واعتراضه أو تقليل تأثيره قبل وصوله إلى المركبة. ويؤكد هذا الاتجاه أن مستقبل القوات المدرعة سيكون مرتبطاً بقدرتها على الاندماج ضمن شبكة واسعة من المستشعرات وأنظمة الحماية والقيادة والسيطرة.
إن الكشف عن ASPIS NG خلال Eurosatory 2026 لا يمثل مجرد إطلاق منتج جديد من شركة يونانية صاعدة، بل يعكس اتجاهاً أوروبياً متنامياً نحو تطوير حلول متقدمة تضمن استمرار فعالية الدبابات والعربات المدرعة في بيئة قتالية تهيمن عليها الطائرات المسيّرة والذخائر الذكية. كما يؤكد أن سوق أنظمة الحماية للمركبات القتالية سيصبح أحد أكثر قطاعات الصناعات الدفاعية نمواً خلال السنوات المقبلة، مع سعي الجيوش الغربية إلى إعادة بناء قدراتها المدرعة وفق متطلبات الحروب الحديثة.