أخبار: QinetiQ تتولى اختبار الجيل الجديد من المدفعية الألمانية البريطانية "RCH155"

أعلنت شركة QinetiQ البريطانية حصولها على عقد متعدد السنوات بقيمة 18 مليون جنيه إسترليني، ما يعادل نحو 24 مليون دولار، لإجراء اختبارات شاملة على منظومة المدفعية الذاتية الحركة RCH155 الجديدة التابعة للجيش البريطاني، في خطوة تمثل مرحلة حاسمة ضمن برنامج التحديث المدفعي الأوسع الذي تنفذه لندن لإعادة بناء قدراتها النارية البرية بعيدة المدى.

وبحسب المعلومات المعلنة، فإن العقد مُنح من قبل National Armaments Director Group التابعة لوزارة الدفاع البريطانية، ويهدف إلى ضمان جاهزية وسلامة منظومة Remote Controlled Howitzer 155 قبل دخولها الخدمة العملياتية الكاملة داخل وحدات المدفعية الملكية البريطانية خلال السنوات المقبلة.

وستُنفذ الاختبارات داخل منشآت QinetiQ التي تعمل ضمن اتفاقية Long Term Partnering Agreement مع وزارة الدفاع البريطانية، إضافة إلى مواقع الشركة الخاصة المنتشرة داخل المملكة المتحدة، حيث ستشمل التجارب تقييم الذخائر، واستهلاك السبطانة، والتحمل الهيكلي، وتأثير البيئات القاسية ودرجات الحرارة القصوى على المنظومة وأطقم التشغيل.

ويأتي هذا العقد بعد انتقال برنامج RCH155 البريطاني إلى مرحلة الإنتاج الفعلي عقب توقيع لندن صفقة ضخمة تقارب قيمتها مليار جنيه إسترليني للحصول على 72 منظومة مدفعية من هذا الطراز، لتصبح العمود الفقري لقدرات الإسناد المدفعي عيار 155 ملم داخل الجيش البريطاني لعقود مقبلة.

تمثل منظومة RCH155 واحدة من أكثر أنظمة المدفعية الذاتية الحركة تطوراً على مستوى العالم حالياً، وقد طورتها شركة KNDS الألمانية عبر دمج برج المدفعية الآلي AGM عيار 155 ملم/52 مع منصة Boxer المدرعة ذات الدفع الثماني.

ويُنظر إلى المنظومة باعتبارها نقلة نوعية في مفهوم المدفعية المتحركة الحديثة، إذ تُعد أول مدفعية ذاتية الحركة في العالم تمتلك قدرة إطلاق النار أثناء الحركة، وهي ميزة صُممت خصيصاً لتقليل زمن البقاء في موقع الرمي ومواجهة تهديدات رادارات كشف النيران المضادة وأنظمة الاستهداف المعادي.

وتستطيع RCH155 تنفيذ تكتيكات “Shoot-and-Scoot” بسرعة عالية، حيث يمكنها إطلاق عدة قذائف ثم إعادة التموضع خلال ثوانٍ قليلة، ما يزيد فرص بقائها في ساحات القتال الحديثة التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الاستهداف الفوري والطائرات المسيّرة وأنظمة كشف النيران بعيدة المدى.

كما تعتمد المنظومة على مستوى عالٍ من الأتمتة، حيث يعمل المدفع ببرج غير مأهول تقريباً، مع قدرة على التشغيل بطاقم محدود جداً مقارنة بالمدفعيات التقليدية، وهو ما يقلل المخاطر البشرية ويرفع سرعة الاستجابة القتالية.

وتشير بيانات KNDS إلى أن المنظومة قادرة على الاشتباك مع أهداف على مسافات تصل إلى 70 كيلومتراً باستخدام الذخائر المتقدمة، مع إمكانية تطوير المدى مستقبلاً إلى ما يتجاوز 80 و100 كيلومتر عبر ذخائر Rocket-Assisted وRamjet الجديدة قيد التطوير داخل أوروبا.

وتبلغ كثافة النيران نحو ثماني قذائف في الدقيقة، مع قدرة تنفيذ نمط MRSI الذي يسمح بإطلاق عدة قذائف بزوايا مختلفة لتسقط على الهدف في توقيت متقارب جداً، ما يضاعف التأثير التدميري على الأهداف المحصنة والتشكيلات البرية.

البرنامج الجديد يأتي في إطار خطة بريطانية واسعة لاستبدال مدافع AS-90 القديمة التي تعرض جزء كبير منها للاستنزاف بعد نقل عدد منها إلى أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا.

وكان الجيش البريطاني قد واجه خلال السنوات الأخيرة انتقادات واسعة تتعلق بتراجع قدراته المدفعية مقارنة بالجيوش الأوروبية الأخرى، خصوصاً بعد عقود من تقليص الإنفاق الدفاعي والتركيز على العمليات غير التقليدية في الشرق الأوسط وأفغانستان.

لكن الحرب الأوكرانية غيّرت بصورة جذرية النظرة الغربية إلى أهمية المدفعية الثقيلة بعيدة المدى، بعدما أثبتت المعارك أن الحروب الحديثة ما تزال تعتمد بصورة أساسية على كثافة النيران والمدفعية الدقيقة والقدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى بصورة مستمرة.

وفي هذا السياق، اختارت لندن RCH155 ضمن برنامج Mobile Fires Platform باعتبارها الحل الأنسب لإعادة بناء قدرات المدفعية الملكية، خاصة مع الجمع بين الحركية العالية، والحماية المدرعة، والأتمتة، والمدى البعيد، والتوافق مع معايير الناتو الحديثة.

كما يرتبط المشروع بصورة مباشرة بالتعاون الدفاعي المتصاعد بين بريطانيا وألمانيا ضمن اتفاق Trinity House الدفاعي الموقع بين البلدين عام 2024، والذي فتح الباب أمام سلسلة من المشاريع العسكرية المشتركة في مجالات المدفعية والصواريخ والدفاع الجوي.

اختيار QinetiQ لتنفيذ برنامج الاختبارات يعكس الأهمية المتزايدة للشركة داخل برامج التسليح البريطانية الحديثة، حيث باتت تلعب دوراً محورياً في تقييم واعتماد الأنظمة القتالية الجديدة لصالح الجيش البريطاني.

وتتمتع الشركة بخبرة واسعة في اختبارات الأسلحة والذخائر وأنظمة العربات العسكرية، إضافة إلى إدارة ميادين الاختبار الرئيسية التابعة لوزارة الحرب البريطانية.

وبحسب تصريحات Will Blamey الرئيس التنفيذي لقطاع الدفاع البريطاني في QinetiQ، فإن فرق الشركة ستعمل على ضمان أن RCH155 “تلبي أعلى معايير السلامة والأداء المطلوبة لتلبية احتياجات الجيش البريطاني في ساحات القتال المستقبلية”.

كما أكد المسؤولون البريطانيون أن الاختبارات ستُنفذ بوتيرة متسارعة بهدف تسريع دخول المنظومة إلى الخدمة العملياتية، في ظل الحاجة الملحة لتعزيز القوة النارية للجيش البريطاني ضمن بيئة أمنية أوروبية متدهورة.

اللافت أن برنامج RCH155 لا يمثل مجرد صفقة بريطانية ألمانية، بل يأتي ضمن موجة أوسع من إعادة بناء القدرات المدفعية الأوروبية بعد سنوات طويلة من التراجع.

فأوروبا تشهد حالياً سباقاً متسارعاً لتطوير مدفعيات بعيدة المدى وأنظمة نيران دقيقة قادرة على مواجهة التحديات التي كشفتها الحرب الأوكرانية، خاصة فيما يتعلق بالحرب المضادة للبطاريات، والطائرات المسيّرة، والاستهداف بعيد المدى.

وفي هذا السياق، تواجه RCH155 منافسة مباشرة مع أنظمة مثل Archer السويدية، وCAESAR الفرنسية، وK9 Thunder الكورية الجنوبية، وSIGMA 155 التابعة لـ Elbit Systems الإسرائيلية، ضمن سوق عالمي يشهد طفرة ضخمة في الطلب على المدفعيات المتحركة عالية الأتمتة.

كما أن نجاح البرنامج البريطاني قد يفتح الباب أمام عقود تصدير إضافية داخل أوروبا وخارجها، خاصة مع اهتمام دول مثل هولندا وكندا والولايات المتحدة ببرامج مدفعية بعجلات ذات مدى طويل وحركية مرتفعة.

كما أن نجاح البرنامج البريطاني قد يفتح الباب أمام عقود تصدير إضافية داخل أوروبا وخارجها، خاصة مع اهتمام دول مثل هولندا وكندا والولايات المتحدة ببرامج مدفعية بعجلات ذات مدى طويل وحركية مرتفعة.

تكشف هذه الصفقة بوضوح أن الجيوش الغربية عادت مجدداً إلى التركيز على المدفعية الثقيلة باعتبارها عنصراً حاسماً في أي صراع عالي الكثافة مستقبلي.

فبعد سنوات من التركيز على مكافحة التمرد والعمليات المحدودة، أعادت الحرب في أوكرانيا إحياء مفاهيم الحرب الصناعية واسعة النطاق، حيث تلعب المدفعية دوراً مركزياً في الاستنزاف والسيطرة النارية وتدمير البنية الدفاعية للخصوم.

كما تعكس صفقة RCH155 إدراكاً متزايداً داخل أوروبا بأن الحروب المقبلة ستتطلب أنظمة أكثر سرعة ومرونة وأتمتة، قادرة على العمل داخل بيئات مشبعة بالطائرات المسيّرة والاستطلاع الفضائي والرصد اللحظي.

ومن الناحية الصناعية، يعزز المشروع التحالف الدفاعي الألماني البريطاني بصورة كبيرة، ويمنح KNDS وQinetiQ موطئ قدم قوي داخل سوق المدفعية الأوروبية المستقبلية، في وقت تتجه فيه دول الناتو إلى إعادة بناء مخزونات ضخمة من أنظمة المدفعية والذخائر بعيدة المدى.

وفي ظل استمرار التوترات مع روسيا وتصاعد سباق التسلح داخل أوروبا، تبدو RCH155 مرشحة لتصبح واحدة من أبرز منظومات المدفعية الغربية خلال العقد المقبل، ليس فقط بسبب مداها وقوتها النارية، بل أيضاً لأنها تمثل نموذجاً جديداً للمدفعية الشبكية الذكية القادرة على البقاء والمناورة في ساحات المعارك الحديثة.